يعود التصعيد العسكري الأخير واستهداف اليمن (وتحديداً مواقع جماعة الحوثي ومفاصل قوتها) إلى تحول جذري في طبيعة المواجهة بعد تجاوز الهجمات الحوثية للخطوط الحمراء الإقليمية والمحلية.
🔴 المقدمـــة:
يشهد المشهد اليمني منعطفاً استراتيجياً خطيراً مع انتقال المواجهة من مرحلة الاحتواء والهدن الهشة إلى صدام عسكري مباشر ومفتوح..
ولم يعد التصعيد الأخير مجرد ردود فعل تكتيكية على أحداث عابرة، بل تعبيراً عن تحول جذري في طبيعة الصراع، حيث تداخلت الحسابات الإقليمية لحماية الملاحة الدولية وأمن الحدود مع المشروع العقائدي والسياسي لجماعة الحوثي..
هذا التقاطع بين الضرورات الأمنية الإقليمية والمبررات الأيديولوجية للجماعة يضع اليمن والمنطقة بأسرها أمام معادلات ميدانية وسياسية جديدة بالكامل.
🔴 تتركز أسباب هذا التصعيد في عدة عوامل رئيسية:
•الرد على الهجمات العابرة للحدود: جاء التصعيد الواسع وعملية "فجر اليمن" عقب هجمات صاروخية ومسيرات طالت منشآت حيوية ومطارات داخل الأراضي السعودية (مثل مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومواقع أخرى)، إلى جانب محاولات استهداف الاستقرار في المحافظات المحررة ومناطق الساحل الغربي وباب المندب.
•حماية الملاحة الدولية: تنامى القلق الإقليمي والدولي من استمرار تهديد حركة الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما دفع نحو عمليات عسكرية استباقية لتحييد قدرات الحوثيين الصاروخية ومنصات الإطلاق ومستودعات الزوارق المفخخة.
•تغيير معادلات الميدان الداخلي: استهدفت العمليات الأخيرة فك الحصار المفروض على المدن (مثل تعز) ووقف التمدد الميداني وتحشيدات الجماعة في جبهات مأرب والجوف والساحل الغربي، والتحول من مرحلة الاحتواء والدفاع إلى استهداف مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة الاستراتيجية.
🔴 ترتكز وجهة نظر جماعة الحوثي في تبرير عملياتها وتصعيدها على فرضية "المواجهة الكبرى" واعتبار تحركاتها جزءاً من التزام إقليمي وديني وأخلاقي نصرةً لغزة ولبنان، ورفضاً للهيمنة الأمريكية والغربية.
وتستند رؤيتهم وخطابهم الرسمي إلى عدة منطلقات أساسية:
•إسناد المقاومة الفلسطينية: تعتبر الجماعة أن استهداف الملاحة المرتبطة بإسرائيل أو الضغط على حلفائها يأتي في إطار "الواجب الديني والعروبي" لفك الحصار عن قطاع غزة ووقف العدوان عليه، بغض النظر عن التكلفة أو التهديدات الخارجية.
•مواجهة الغطرسة الأمريكية والبريطانية: يروج الخطاب الحوثي لأن الضربات والتحالفات الغربية ضد اليمن هي عدوان سافر يثبت تورط هذه القوى في حماية الاحتلال الإسرائيلي، معتبرين أن المواجهة المباشرة مع واشنطن ولندن تمنحهم شرعية شعبية وجهادية متقدمة في مشروعهم العقائدي.
•كسر الحصار ورفض الإملاءات: ترى الجماعة أن أي ضغوط اقتصادية أو عسكرية أو غارات تستهدف البنية التحتية هي محاولات فاشلة لتركيع الشعب اليمني وثنيه عن موقفه، وتؤكد في أدبياتها أن استمرار العمليات هو رد طبيعي على ما تصفه بالحصار المفروض على اليمن والتدخل الخارجي في شؤونه.
🟩🔚 الخاتمـــة:
يمثل التصعيد العسكري الحالي نقطة تحوُّل مفصلية قد تعيد رسم خريطة النفوذ والسيطرة في اليمن والمنطقة..
وفي ظل إصرار التحالف الإقليمي والدولي على تحييد التهديدات البحرية وتأمين الملاحة وحماية الحدود، وتمسك جماعة الحوثي بخطاب "المواجهة الكبرى" وربط مسارها الإقليمي بملفات المنطقة، تتجه الأزمة نحو مزيد من التعقيد..
وبدلاً من إيجاد تسوية سياسية، قد يفضي هذا المسار إلى تآكل ما تبقى من بنية تحتية وإطالة أمد الحرب، ما لم تتدخل متغيرات دولية أو إقليمية كبرى لفرض قواعد جديدة لخفض التصعيد.
⁉️ وهنا تبرز عدة أسئلة استشرافية تقفز وتتجاوز كافة السيناريوهات المتوقعة للأزمة:
إلى أي مدى يمكن للعمليات العسكرية الواسعة (مثل "فجر اليمن") أن تنجح في تقويض القدرات الصاروخية الاستراتيجية للحوثيين بشكل دائم، أم أنها ستدفعهم نحو تطوير تكتيكات لا تمركزية جديدة؟!
وما هي التداعيات الاقتصادية والإنسانية المتوقعة على المدى القريب في حال استمرار استهداف البنية التحتية وتعثر فتح المعابر وفك الحصار عن المدن كالتعز؟!
وكيف ستتأثر مسارات السلام والتسوية السياسية الشاملة في اليمن برعاية الأمم المتحدة نتيجة هذا الانزلاق نحو المواجهة العسكرية المباشرة؟!
وهل تنجح الضغوط العسكرية الأمريكية والبريطانية في ردع الحوثيين، أم أنها ستزيد من تعزيز شرعيتهم الشعبية وفق سرديتهم الجهادية المناهضة للتدخل الغربي؟!
ثم ما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حال استمرار حالة الاستقطاب العسكري الإقليمي؟!
--ننتظر ونرى...