تاريخ النشر: 2026-09-27 | 20:32
تاريخ النشر: 2026-09-27 | 20:32
الإبداع الفلسطيني.. الرئيس يشرّع وينفّذ ويراقب ويحاسب ويقاضي
في بلاد العالم اخترعوا فصل السلطات كي لا يصبح الحاكم هو الدولة. أما نحن، فذهبنا أبعد في «الإبداع الفلسطيني»: الرئيس يشرّع وينفّذ، يراقب ويحاسب ويقاضي، ويقود الحزب والمنظمة، ويجلس في قلب شبكة من المؤسسات التي يفترض أن تكون، في الأصل، متعددة المراكز والوظائف والشرعيات. المشكلة هنا ليست في عدد المناصب التي يحملها محمود عباس بحد ذاته، ولا في أن وجود أكثر من صفة سياسية يعني تلقائياً مخالفة قانونية. المشكلة أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما تتعدد المؤسسات، بينما تتقاطع مراكز القرار في الشخص نفسه؟ فالقانون الأساسي الفلسطيني لا يترك المسألة غامضة: الشعب مصدر السلطات، ويمارسها عبر سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية على أساس الفصل بينها، كما ينص على أن المجلس التشريعي هو السلطة التشريعية والرقابية، وأن القضاء مستقل.
لكن السياسة لا تُقاس بالنصوص وحدها. السياسة تُقاس أيضاً بالسؤال: هل تستطيع المؤسسة أن تقول «لا» لمركز القوة الذي يفترض أن تراقبه؟
سبعة مقاعد.. ومركز واحد
الرئيس ليس فقط رئيساً للسلطة. محمود عباس أُعيد انتخابه في مايو 2026 قائداً لحركة فتح، وهو أيضاً رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كما يترأس اجتماعات اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح. وهنا تظهر مشكلة تعدد المراكز. لدينا الدولة، والسلطة، ومنظمة التحرير، وحركة فتح، واللجنة المركزية، والمجلس الثوري، والمجلس الوطني، والمجلس التشريعي، والحكومة، والقضاء. أسماء كثيرة، اختصاصات مختلفة، وشرعيات متفاوتة. لكن ماذا يحدث عندما تتقاطع هذه الدوائر حول مركز سياسي واحد؟ تتحول تعددية المؤسسات إلى تعددية في العناوين، لا بالضرورة تعددية في القرار. وهذا هو جوهر المسألة.
الشرعية: من أين تأتي وإلى أين تذهب؟
كل مؤسسة من هذه المؤسسات لها طبيعة مختلفة. السلطة تستمد شرعيتها من بنية دستورية وانتخابية، والحزب من مؤتمره وأعضائه، ومنظمة التحرير من موقعها التمثيلي الوطني، والمجالس من آليات تشكيلها. لكن عندما يجتمع أكثر من مصدر للشرعية في الشخص نفسه، يصبح السؤال شديد الحساسية: هل تنتقل شرعية مؤسسة إلى مؤسسة أخرى بمجرد أن الشخص نفسه يقودها؟ وهل شرعية قيادة الحزب يمكن أن تتحول تلقائياً إلى شرعية لقيادة الدولة؟ وهل الشرعية التاريخية للمنظمة تكفي وحدها لتجديد التفويض؟ وهل استمرار الشخص في موقع سياسي يستطيع أن يعوض غياب آلية دورية للمساءلة الشعبية؟ هنا تحديداً تصبح أزمة المناصب أزمة شرعية ومحاسبة. فالشرعية ليست شهادة أبدية، والانتخاب ليس شيكاً مفتوحاً، والقيادة التاريخية ليست بديلاً عن الرقابة.
الرئيس الذي يراقب نفسه
هنا تصل العبارة الساخرة إلى ذروتها: الإبداع الفلسطيني: الرئيس يشرّع وينفّذ ويراقب ويحاسب ويقاضي. طبعاً، العبارة ليست توصيفاً قانونياً حرفياً، ولا ينبغي فهمها على أن الرئيس يمارس شخصياً كل وظيفة من هذه الوظائف في كل لحظة. لكنها تختصر مشكلة سياسية: كلما تداخلت مواقع السلطة والرقابة والتمثيل في دائرة واحدة، تقلصت المسافة الضرورية بين صاحب القرار ومن يحاسبه. والديمقراطية لا تفترض أن الحاكم سيئ؛ بل تفترض العكس تماماً: أن أفضل حاكم يحتاج إلى مؤسسات تستطيع مراقبته. لذلك لا يكفي أن توجد مؤسسات رقابية. السؤال هو: هل تستطيع هذه المؤسسات أن تمارس رقابتها باستقلال عن مركز السلطة؟
أزمة التمثيل أكبر من أبو مازن
وهنا نصل إلى الجزء الأخطر. الفلسطينيون ليسوا مجرد جمهور للسلطة الفلسطينية. الشعب الفلسطيني موزع بين الضفة وغزة والقدس والداخل والشتات ومخيمات اللجوء، ومنظمة التحرير يفترض أن تكون الإطار الوطني الجامع لهذا الشعب. لذلك فإن أزمة تعدد المناصب لا تنفصل عن أزمة التمثيل. فإذا كانت السلطة تمثل مجالاً جغرافياً وسياسياً محدداً، فإن منظمة التحرير تحمل ادعاء تمثيل وطني أوسع. وحين تتداخل قيادة السلطة مع قيادة المنظمة مع قيادة الحزب، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مؤسسات تمثل الفلسطينيين، أم أمام مؤسسات تمثل بعضها بعضاً؟ وهنا تكمن الخطورة: أن يصبح الفلسطيني خارج دائرة القرار أكثر عدداً من الفلسطيني الموجود داخلها، بينما تظل المؤسسات التي تتحدث باسمه مغلقة على دوائر سياسية محدودة.
الدولة لا تحتاج إلى سبعة أبواب تؤدي إلى الغرفة نفسها
ليس العيب في أن تكون للفلسطينيين مؤسسات كثيرة. العيب أن تصبح كثرة المؤسسات ستاراً يحجب حقيقة مركز القرار. التعدد المؤسسي الحقيقي يعني أن تكون هناك مراكز قرار مختلفة، وشرعيات مختلفة، ومساحات اختلاف حقيقية، وآليات رقابة تستطيع أن توقف القرار إذا تجاوز القانون. أما إذا كان الحزب في مكان، والسلطة في مكان، والمنظمة في مكان، والمجلس في مكان، لكن الخيط السياسي يعود في النهاية إلى المركز نفسه، فإننا لا نكون أمام تعددية مكتملة، بل أمام هندسة معقدة لسلطة مركزية. وهنا لا يعود السؤال: لماذا يشغل الرجل كل هذه المواقع؟ السؤال الأخطر هو: لماذا يسمح النظام السياسي أصلاً بأن تتجمع كل هذه المواقع حول الرجل نفسه؟
عندما يصبح التمثيل امتيازاً لا تفويضاً
الفلسطينيون بحاجة إلى نقاش يتجاوز الأشخاص والأسماء. المطلوب هو إعادة تعريف العلاقة بين حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة والدولة والمجالس الوطنية والبرلمان، بحيث لا يستطيع أي موقع أن يستمد شرعيته من موقع آخر بلا تفويض واضح. فالتمثيل ليس ملكية، والقيادة ليست إرثاً، والشرعية ليست شيئاً ينتقل بالعدوى من مؤسسة إلى أخرى. الديمقراطية الفلسطينية الحقيقية تبدأ عندما يستطيع المواطن أن يعرف، بلا التباس: من انتخب؟ من يشرّع؟ من ينفّذ؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ ومن يستطيع أن يحاسب من؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يصبح الرئيس قوياً. الأخطر أن تصبح المؤسسات كثيرة إلى درجة توحي بأن السلطة موزعة، بينما تكون السلطة في الواقع مركّزة. وهنا تحديداً يظهر «الإبداع الفلسطيني» بأقسى صوره:الرئيس يشرّع وينفّذ ويراقب ويحاسب ويقاضي... والشعب، في النهاية، يبحث عن المؤسسة التي يستطيع أن يحاسب من خلالها الرئيس.