في ظل عجز المفاوضات واستمرار العدوان ... من الذي يحمي لبنان ؟
د . مهدي مبارك عبد الله
أمد/ ربما لم يعد السؤال في لبنان اليوم من يملك الموقف السياسي الأفضل أو الخطاب الإعلامي الأقوى بل اصبح من يملك القدرة الفعلية على حماية الأرض والسيادة ومنع العدوان من فرض إرادته بالقوة ومع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتكرار الخروقات اليومية للحدود والأجواء اللبنانية وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن إلزام إسرائيل بأي من تعهداتها أو اتفاقاتها يجد اللبنانيون أنفسهم أمام اختبار تاريخي صعب يتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية نحو سؤال أكثر جوهرية يتعلق بمستقبل الدولة نفسها وقدرتها على البقاء كدولة مستقلة ذات سيادة وفي لحظة حرجة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع الأزمات الداخلية يعود الجدل مجدداً حول دور المقاومة المحوري وموقعها في معادلة الأمن الوطني وحول ما إذا كانت المفاوضات وحدها قادرة على حماية لبنان أم أن موازين القوة والمواجهة ما زالت هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال الإسرائيلي
الملاحظ ان الجدل الخلافي يزداد داخل لبنان حول الجهة القادرة فعلياً على حماية البلاد والدفاع عن حدودها ومقدراتها وبينما تتجه الدولة اللبنانية نحو المسارات الدبلوماسية والمفاوضات السياسية أملاً في الحصول على ضمانات أمريكية أو دولية توقف الاعتداءات الإسرائيلية تبدو النتائج حتى الآن محدودة للغاية بل تكاد تكون معدومة أمام واقع ميداني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم
التطورات الأخيرة أظهرت بكل تفاصيلها أن الرهان على الوساطات الدولية وحدها لم ينجح في فرض احترام إسرائيل لأي تفاهمات أو ترتيبات أمنية أو تفاوضية ومنذ الحديث عن اتفاقات التهدئة ووقف إطلاق النار استمرت الغارات والاستهدافات والاختراقات الجوية والاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول جدوى النهج الرسمي القائم على انتظار الضغوط الأمريكية أو التعهدات الدولية لإلزام إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه
على الطرف الاخر برز حزب الله بوصفه الطرف اللبناني الوحيد الذي ما زال يمتلك قدرة فعلية على فرض معادلات ميدانية تمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه كاملة رغم ما تعرض له من استهدافات واغتيالات وضغوط سياسية وأمنية وعسكرية غير مسبوقة الا انه تمكن من الحفاظ على حضوره العملياتي وقدرته التنظيمية واستطاع أن يثبت أن المقاومة ما زالت رقماً صعباً في معادلة الصراع وأن محاولات كسرها أو إخراجها من المشهد لم تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها تل أبيب وحلفاؤها
الاحتلال الاسرائيلي دخل المواجهة وهو يطمح إلى فرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية الا إن مسار الأحداث أظهر أن تحقيق هذه الأهداف ليس أمراً سهلاً حيث واجهت محاولات التوغل والتمركز العسكري تحديات كبيرة، فيما تحولت المناطق الحدودية إلى ساحة استنزاف مستمرة أربكت الحسابات الإسرائيلية وأعادت إلى الواجهة حقيقة أن لبنان ما زال يمتلك قوة ردع قادرة على إلحاق الأذى بالمعتدي ومنعه من التحرك بحرية مطلقة كما يشاء
ما يلفت الانتباه أكثر هو التناقض الواضح بين الأداء الميداني للمقاومة والأداء السياسي الرسمي للدولة وفي الوقت الذي يسجل فيه الميدان معادلات جديدة تمنع الاحتلال من تحقيق انتصار حاسم تبدو الدولة اللبنانية غارقة في مسار تفاوضي طويل لم ينجح حتى الآن في انتزاع أبسط الحقوق الوطنية المتمثلة بوقف الاعتداءات واحترام السيادة اللبنانية والانسحاب من المناطق المحتلة وإعادة الأسرى ووقف الاستباحة اليومية للأجواء اللبنانية
السلطة اللبنانية راهنت على أن الانفتاح على الوساطات الأمريكية يمكن أن يقود إلى تسوية تحفظ الأمن والاستقرار إلا أن الوقائع أثبتت أن الولايات المتحدة لم تمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل لإجبارها على الالتزام بأي تعهدات بل إن كثيراً من اللبنانيين باتوا يرون أن واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني من منظور المصالح الإسرائيلية أولاً وأن الضمانات الموعودة لم تتجاوز حدود التصريحات السياسية التي لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي على الأرض
من هنا عاد النقاش مجدداً حول مفهوم القوة في العلاقات الدولية خاصة وان التجارب التاريخية أثبتت أن الدول الضعيفة لا تحميها البيانات الدبلوماسية وحدها وأن السيادة لا تُصان بالاعتراضات الشكلية ولا بالمذكرات السياسية بل تحتاج إلى عناصر قوة حقيقية تجعل أي اعتداء مكلفاً لمن يقوم به وفي الحالة اللبنانية يرى مؤيدو المقاومة أن سلاح حزب الله يمثل أحد أهم هذه العناصر وأنه كان طوال العقود الماضية العامل الأكثر تأثيراً في ردع الاعتداءات الإسرائيلية ومنع عودة الاحتلال إلى الأراضي اللبناني
أصحاب هذا الرأي يستندون بقناعة راسخة إلى تجربة التحرير عام 2000 وإلى حرب تموز 2006 وإلى مجمل المواجهات التي شهدتها الحدود الجنوبية خلال السنوات اللاحقة معتبرين أن المقاومة استطاعت أن تفرض معادلة ردع لم تتمكن الدبلوماسية الدولية من تحقيقها وهم يرون أن بقاء هذه القوة يشكل ضمانة استراتيجية للبنان في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب وفي ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية التي لا تخفي أطماعها الأمنية والعسكرية تجاه لبنان
الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بدوره يواصل التأكيد على أن المقاومة لن تقبل بأي صيغة تربط وقف العدوان بنزع سلاحها وأن الأولوية يجب أن تكون لوقف الاعتداءات وانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية كما يؤكد الحزب أن أي محاولة لتجريد لبنان من عناصر قوته قبل إنهاء الاحتلال والتهديدات القائمة ستؤدي من وجهة نظره إلى إضعاف البلاد وفتح الباب أمام ضغوط أكبر في المستقبل
الحقيقة انه مهما تعددت المواقف السياسية داخل لبنان تجاه حزب الله وسلاحه فإن ما لا يمكن تجاهله هو أن العدوان الإسرائيلي المستمر أعاد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة اللبنانية وحدها على مواجهة التحديات الأمنية القائمة والمواطن اللبناني الذي يشاهد استمرار الغارات والاختراقات رغم كل الاتصالات الدبلوماسية يجد نفسه أمام مقارنة مباشرة بين نتائج المسار التفاوضي من جهة ومخرجات معادلة الردع التي تتحدث عنها المقاومة من جهة أخرى
السنوات الماضية أثبتت مرارا أن إسرائيل لا تتخلى بسهولة عن سياسات القوة وأنها تستفيد من أي خلل في موازين الردع لفرض وقائع جديدة على الأرض ولذلك يرى قطاع واسع من اللبنانيين أن الحفاظ على عناصر القوة الوطنية وفي مقدمتها المقاومة يشكل ضرورة استراتيجية إلى أن تتمكن الدولة من بناء منظومة دفاعية قادرة على حماية البلاد بصورة كاملة ومستقلة
امام هذا الوضع المعقد لا بد من الفهم بان الأزمة الحقيقية التي يواجهها لبنان اليوم لا تتمثل فقط في العدوان الإسرائيلي بل أيضاً في غياب رؤية وطنية موحدة لكيفية حماية البلاد ومواجهة الأخطار المحدقة بها وبين من يراهن على الدبلوماسية الدولية وحدها ومن يرى في المقاومة الضمانة الأساسية للأمن الوطني يبقى اللبنانيون أمام تحدي كبير في صياغة استراتيجية وطنية تجمع بين قوة الدولة وإمكانات الردع المتوافرة وبما يحفظ السيادة ويمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام الاعتداءات الخارجية
قد يكون من الضروري في السياق وخشية من سوء الفهم التوضيح بأن توصيف الأداء الرسمي اللبناني بالعجز أو محدودية الفاعلية في مواجهة العدوان لا يعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من مكانة الدولة اللبنانية أو التقليل من أهمية مؤسساتها الوطنية التي تبقى الإطار الجامع لكل اللبنانيين والمرجعية الدستورية التي ينبغي تعزيزها وتمكينها كما أن الجيش اللبناني كان ولا يزال مؤسسة وطنية تحظى باحترام واسع لدى مختلف مكونات الشعب اللبناني وقد قدم على امتداد عقود طويلة تضحيات كبيرة دفاعاً عن الوطن ووحدته واستقراره كما سقط له شهداء وجرحى في الاعتداءات الإسرائيلية وفي حماية الحدود ومكافحة الإرهاب وصون الأمن الوطني وإن النقد هنا ينصرف إلى محدودية الخيارات السياسية والدبلوماسية المتاحة للدولة اللبنانية في ظل اختلال موازين القوى الدولية وليس الذهاب إلى التشكيك في وطنية الجيش أو إخلاص مؤسسات الدولة التي تبقى ركناً أساسياً من أركان حماية لبنان وابنائه
الا انه حتى يتحقق ذلك سيبقى السؤال مطروحاً بقوة ماذا حققت المفاوضات التي جرت في واشنطن للبنان حتى الآن والاعتداءات ما زالت مستمرة والخروقات لم تتوقف والضمانات الدولية لم تتحول إلى واقع ملموس مقابل كل ذلك فإن كثيرين سيواصلون اعتبار المقاومة بكل ما يحيط بها من جدل سياسي ما زالت تمثل صمام الأمان والحماية الذي يمنع سقوط لبنان في دائرة الاستباحة الكاملة وخط الدفاع الأخير في مواجهة مشروع صهيو امريكي يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة لا بالحوار وبالسلاح لا بالدبلوماسية
عمليا يبدو إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الطائرات الإسرائيلية التي تنتهك أجواءه أو القوات التي تتوغل في أرضه بل حالة الوهم الرسمية التي لا زالت تؤمن بإن السيادة يمكن أن تُستورد من الخارج أو تُمنح بقرار دولي أو بضمانة أمريكية رغم ان التاريخ الحديث للمنطقة يثبت أن الدول التي فقدت عناصر قوتها لم تحصل على الأمن بل فقدت أمنها وسيادتها معاً لذلك فإن المعركة الحقيقية التي يخوضها لبنان ليست بين الحرب والسلم فقط بل بين خيار الاعتماد على عناصر القوة الوطنية وبين خيار انتظار وعود الخارج
الأشهر الماضية ان أثبتت جليا للبنانيين بأن واشنطن لم تنجح في وقف العدوان وأن المجتمع الدولي لم يفرض احترام التفاهمات وأن إسرائيل ما زالت تتصرف باعتبارها فوق القانون وباستخفاف كامل بكل القرارات الدولية وعند هذه الحقيقة تحديداً يبرز السؤال الذي لا تستطيع السلطة اللبنانية ولا الوسطاء الدوليون الهروب منه فيما إذا فشلت المفاوضات في حماية لبنان وإذا عجزت الضمانات الدولية عن وقف العدوان فمن الذي سيمنع إسرائيل من فرض شروطها بالقوة غير حزب الله
لا شك بأن صمود الحزب والجيش والشعب في الميدان أحبط المخططات الإسرائيلية الرامية لإنهاء ومنع الاحتلال من تحقيق أهدافه اافة الى التمسك بالحقوق الوطنية والأرض والسيادة الكاملة وهي الضمانة الوحيدة لتحرير الأرض والتصدي للعدوان دون أي دور ضامن للولايات المتحدة الأمريكية ولا خيار أمام العدو سوى وقف الفوري للعدوان الإسرائيلي براً وبحراً وجواً والانسحاب الشامل من كافة الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى والأهالي النازحين إلى قراهم وعدم الاحتفاظ بأي شبر تحت أي ذريعة أو عنوان مع ضرورة استفادة السلطة اللبنانية من عناصر القوة التي تمتلكها المقاومة لتعزيز الموقف الوطني في مواجهة كافة الاخطار والتحديات
ختاما : إن الإجابة على هذا التساؤل هي التي سترسم مستقبل لبنان في السنوات المقبلة لأن الأوطان لا تُحفظ بالنوايا الحسنة وحدها ولا بالرهان على وعود القوى الكبرى بل بامتلاك القدرة على الدفاع عن النفس أما الرهان على حسن نيات الاحتلال أو على عدالة النظام الدولي فقد أثبتت تجارب المنطقة كلها أنه أقصر الطرق نحو خسارة الأرض والسيادة والكرامة الوطنية وربما الى الابد
