نساء غزة من مأساة "الهموم المركبة" إلى المنظور التكافلي للاستجابة الإنسانية والمناصرة
د. سلامه ابو زعيتر
أمد/ من غير الطبيعي أن يمر أي باحث أو مهتم بشؤون المرأة دون أن يقف إجلالاً واحتراماً لثبات المرأة الفلسطينية في قطاع غزة، وقدرتها الفائقة على المضي قدماً رغم الأعباء والهموم المركبة التي حملتها في ظل حرب الإبادة المستمرة لأكثر من ألف يوم. إن النزوح المتكرر، والعيش القسري في الخيام ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية، يمثل واقعاً معقداً يعجز الوصف الدقيق عن الإحاطة به؛ نظراً لتداخل الأدوار والمسؤوليات الجسيمة المفروضة عليها في بيئة طاردة لكل أشكال الاستقرار البنيوي والنفسي.
هذا الواقع يضع المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، وحركات المناصرة الحقوقية والنسوية أمام مسؤولية أخلاقية وبنيوية لتوصيف واقع المرأة الفلسطينية، والابتكار الفوري لوسائل متقدمة ومستدامة لإسنادها في معركة البقاء اليومية. فالمرأة، ورغم كونها الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً بالأزمات والحروب، إلا أنها تُثبت في كل محطة تاريخية أنها صمام الأمان والركيزة الأساسية لحماية السلم المجتمعي ومواجهة مخططات التهجير والانسلاخ عن الأرض. إنها تعيش اليوم واقعاً استثنائياً لم تشهد له المخيلة البشرية مثيلاً في التاريخ الحديث؛ فبين لوعة الفقدان المستمر وتكالب الأعباء المعيشية، لم تعد المعاناة مجرد حدث طارئ، بل تحولت إلى هيكلية يومية مفروضة لا مفر منها، تواجهها بالعمل والعطاء دون تذمر أو كلل، صوناً لمن حولها ومن تحب.
إن تحليل واقع المرأة الغزية اليوم يتجاوز رصد الانتهاكات الرقمية، إلى فهم عميق لـ "الهموم المركبة" التي تصهر أدوارها كضحية، ومعيل، وحامية للبقاء. وهو سياق لا ينفصل عن الإرث النضالي للمرأة الفلسطينية عموماً، والتي واجهت النكبة واللجوء منذ عام 1948، مرورا بنكسة عام 1967، وما تلاها من عدوان وحروب متكررة، لتأتي حرب غزة اليوم كأقسى فصول هذه المواجهة. هذا الأمر يستدعي وضع تصور منطقي وصياغة أفكار وتوصيات عملية عاجلة تعتمد على التكامل بين التدخلات المركزية العامة، والتدخلات التكميلية الموجهة للفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة، مثل: الحوامل، المرضعات، كبار السن، ذوات الإعاقة، والأرامل والمعيلات.
أولاً: تحليل الواقع.. تفكيك الأعباء والتحولات الجبرية من منظور سوسيولوجي وسيكولوجي
في محاولة لتشخيص وتحليل الواقع النسوي في قطاع غزة، نجد أن الحرب الطويلة قد أحدثت شرخاً عميقاً في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وصدمة حادة في الوعي النفسي الجمعي والفردي. وكانت المرأة هي خط الدفاع الأول والأكثر تضرراً في كل مناحي حياتها وحياة أسرتها، ونلخص هذه التحولات الجبرية في النقاط التالية:
• صدمة الفقد الممتد والاضطراب النفسي المركب : تواجه النساء في غزة ظاهرة "الفقد التراكمي"؛ حيث لا تتاح لهن الفرصة النفسية لممارسة "طقوس الحداد" الطبيعية نظراً لتلاحق الصدمات وفقدان الأبناء والشركاء والمأوى معاً. هذا الفقد المتزامن مع انعدام "الملاذ الآمن" أدى إلى انتشار حاد لـ اضطراب الصدمة المركب والأنماط المعقدة من القلق النفسي المستدام (وتتفاقم هذه الأزمات سيكولوجياً بفعل "التهديد الوجودي المستمر" وحالة غياب الأفق التام للتعافي أو الاستقرار الجسدي والانفعالي، وهو امتداد مباشر للصدمة التاريخية الفلسطينية العابرة للأجيال، ولكنها تتجلى هنا بأبشع صورها الدموية ومستوياتها الفائقة.
• تأنيث الإعالة والانتقال القسري للأدوار: من منظور علم الاجتماع، أحدثت الحرب "إعادة هيكلة قسرية" للأدوار الجندرية داخل الأسرة الغزية. فمع غياب المعيل التقليدي (الرجل) نتيجة للاستشهاد، أو الإصابة المقعدة، أو الاعتقال، تحولت آلاف النساء فجأة من الدور الرعائي التكميلي إلى دور "رأس العائلة" والمكلف الأساسي بإدارة شؤون البقاء. هذا التحول السوسيولوجي المفاجئ لم يصحبه تمكين اقتصادي مسبق أو تهيئة اجتماعية، بل فُرض كآلية نجاة قاسية تتطلب تدبر الحياة من نقطة الصفر، مما دفع النساء لمواجهة "اقتصاد الحرب الشرس" والقيام بمهام بدائية شاقة كالبحث عن الحطب وجلب المياه وسط بيئة منهارة ومنزوعة الموارد.
• تعرية الفضاء الخاص وانهيار المنظومات الحمائية: تسبب الاكتظاظ المفرط في تجمعات المخيمات ومراكز الإيواء في تدمير "الفضاء الخاص" للمرأة، وهو ما يُعرف سوسيولوجياً بـ "انهيار الحيز الحمائي الشخصي". هذا الغياب القسري للخصوصية البيولوجية والاجتماعية يولد ضغطاً نفسياً حاداً ناتجاً عن الشعور بالانكشاف الدائم أمام الآخرين. علاوة على ذلك، فإن انهيار المنظومات الحمائية والتقنية والمجتمعية المساندة (كالمدارس، ورياض الأطفال، والمؤسسات المدنية) قد جرد النساء العاملات والمثقفات والأكاديميات من أدوات التوازن بين المسار المهني والأدوار الأسرية، مما أعاد إنتاج العمل الرعائي المنزلي بصورته البدائية الأكثر إنهاكاً واستنزافاً لطاقة المرأة وصحتها.
ثانياً: فلسفة التدخل المتكامل (المركزي الشامل والتكميلي المتخصص)
تخطئ الكثير من البرامج الإغاثية عندما تنزلق نحو تقديم خدمات فئوية مجتزأة (سياسة الجزر المعزولة) على حساب المنظومة العامة؛ فالاستهداف الفئوي لا يمكن أن ينجح أو يستدام إذا كانت البيئة العامة والمظلة الكبرى التي تعيش فيها كافة النساء منهارة بالكامل. من هنا، نقدم تصوراً يقوم على فلسفة التدخل المتكامل وبناء أرضية صلبة من التدخلات المركزية التي تستفيد منها كل امرأة في غزة، ثم تركيب تدخلات تكميلية نوعية تلبي الاحتياجات الخاصة بالفئات الأشد هشاشة وتمنع سقوطهن من غربال الإغاثة.
1. التدخلات المركزية العامة (المظلة الشاملة لكافة النساء) وهي الأساس الهيكلي والاجتماعي لبقاء مجتمع النساء وحمايته، وتشمل:
• الأمن المائي والبيئي العام: حفر آبار مياه محلية في المخيمات، وتزويدها بأنظمة تحلية وتوزيع تعمل بالطاقة الشمسية، على أن تُخصص لخدمة قطاعات الغسيل والاستخدام المنزلي داخل المخيمات. هذا التدخل يرفع العبء الجسدي اليومي عن كاهل النساء اللواتي تُستهلك صحتهن النفسية والبدنية في طوابير المياه العقيمة، أو في الجلوس لساعات طويلة لفرك الملابس يدوياً.
• بنية تحتية حمائية مساندة (ترميم البيئة الاجتماعية): تزويد المخيمات بوحدات حمامات ومطابخ مسبقة الصنع ومغلقة تُوزع حسب الأولويات. وفي حال الاعتماد على حمامات ومطابخ عامة، فمن الضروري إنارتها ليلاً بأنظمة طاقة بديلة وإحاطتها بسواتر توفر الخصوصية التامة لجميع النساء والفتيات، مما يساهم حتماً في الحد من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي وإعادة ترميم جزء من الأمان السيكولوجي المفقود بفعل الانكشاف.
• التعليم البديل وتخفيف العبء الرعائي: إنشاء مساحات تعليمية وترفيهية مؤقتة للأطفال في المخيمات. وهو تدخل مركزي غير مباشر يهدف إلى تقليل العبء الرعائي والتربوي الشاق عن كاهل الأمهات المعيلات والنساء بشكل عام، ليتسنى لهن التقاط أنفاسهن أو التفرغ لتدبر شؤون الأسرة الأخرى ومحاولة الاستشفاء النفسي وتفريغ الضغوط المتراكمة.
2. التدخلات التكميلية المتخصصة (إسناد الفئات الأكثر هشاشة)
تأتي هذه التدخلات فوق المظلة العامة، لتسد الثغرات البيولوجية والجسدية المحددة لخصوصية الحالة وطبيعة الاحتياج:
• النساء الحوامل والمرضعات (إنقاذ الجيل الفلسطيني القادم):
- وحدات أمومة آمنة متنقلة: إنشاء نقاط طبية ميدانية داخل تجمعات المخيمات مخصصة للولادة ورعاية ما بعد الولادة، وتزويدها بحواضن ومعدات أساسية للتعامل مع حالات الولادة المبكرة الناتجة عن الصدمات النفسية وأصوات الانفجارات المستمرة.
- سلال الغذاء البيولوجية: تصميم سلال غذائية نوعية تحتوي على مكملات الحديد، الكالسيوم، المغذيات الدقيقة، وحليب الأطفال المجفف كبديل تدخلي في حال جفاف حليب الأمهات نتيجة لسوء التغذية الحاد والصدمات.
- حقائب النظافة والنفاس: التوزيع المستمر لمستلزمات النظافة النسائية والنفاس الموائمة طبياً لمنع انتشار الالتهابات والأمراض الإنتانية في بيئات النزوح الملوثة.
• النساء كبار السن والأرامل والمعيلات (حماة الذاكرة وعماد الأسرة):
- عيادات الأمراض المزمنة المتنقلة: توفير الأدوية الحيوية (الضغط، السكري، أمراض القلب) بشكل مجاني ومستدام داخل المخيمات، مع تسيير فرق للفحص الدوري لهن.
- شبكة "جسور" للإسناد اللوجستي اليومي: تشكيل فرق تطوعية شبابية منظمة داخل كل مخيم لمساعدة المسنات والأرامل والمعيلات في المهام الشاقة (كجلب المياه، جمع الحطب، ونقل الطرود) لتجنيبهن مشقة الطوابير والتدافع البدني والاجتماعي الذي لا تطيقه أجسادهن وحالتهن السيكولوجية.
• النساء ذوات الإعاقة (المعاناة المضاعفة):
- مواءمة البيئة الميدانية بالحد الأدنى: إلزام المؤسسات الدولية والمحلية بمواءمة هندسية بسيطة (منحدرات ومقابض حديدية) داخل المرافق المركزية المشتركة (الحمامات والمطابخ) لتمكينهن من الحركة المستقلة بحرية وكرامة.
- توفير الأدوات المساعدة وحملات الإغاثة الطبية: تأمين الكراسي المتحركة، العكازات، المعينات السمعية، والأدوية الحيوية الخاصة بالاضطرابات العصبيّة والنفسية التي تضاعفت حدتها نتيجة القصف المستمر.
- نظام المسار السريع :منح النساء ذوات الإعاقة بطاقات أولوية تضمن لهن الوصول المباشر للمساعدات الطبية والغذائية دون الحاجة للانتظار الطويل.
ثالثاً: أدوات زيادة الضغط والمناصرة لصالح قضايا المرأة الغزية
لتدوير تدخلات المؤسسات وتحويل هذه الأفكار السياساتية إلى ضغط حقيقي على صناع القرار والجهات التمويلية، يجب تفعيل ثلاثة مسارات استراتيجية:
1. الدعم النفسي والاجتماعي القائم على "الفضفضة الخصوصية: الابتعاد التام عن جلسات الدعم النفسي التقليدية المكشوفة أو السطحية، والتركيز على إنشاء خيام ومساحات آمنة مغلقة ومحمية اجتماعياً مخصصة للنساء فقط تحت إشراف أخصائيات نفسيات مؤهلات. يهدف هذا التدخل السيكولوجي إلى تمكينهن من التعبير الحر عن مشاعر الحزن الشديد، والبكاء، والتفريغ الانفعالي بعيداً عن أعين الأطفال والمارة، وهو متطلب إكلينيكي ونفسي أساسي لاستعادة التوازن الداخلي وحماية تماسك الأدوار الرعائية الملقاة على عاتقهن أمام أسرهن.
2. التسييل النقدي المباشر والمستدام (استعادة التمكين المفقود): يجب على المؤسسات الدولية تدوير استراتيجياتها اللوجستية نحو تقديم الدعم المالي المباشر للمرأة المعيلة، والأرملة، والنساء ذوات الإعاقة، بدلاً من الاقتصار على المساعدات العينية الموحدة. هذا الأسلوب يحمل قيمة سيكولوجية كبرى؛ إذ يمنح المرأة القدرة المرنة على ترتيب أولويات أسرتها (شراء دواء خاص، ملابس للأطفال، أو مستلزمات بيولوجية) ويعيد لها جزءاً من الكرامة الإنسانية، والشعور بالاستقلالية والقدرة على السيطرة (Agency) على تفاصيل حياتها اليومية المبعثرة.
3. المناصرة الرقمية والإعلامية القائمة على الأنسنة والسياق السوسيولوجي: إعادة صياغة الخطاب الإعلامي الدولي والمحلي نحو "أنسنة المعاناة"، والابتعاد عن تقديم النساء كأرقام صماء في الإحصائيات التقاريرية. إن التركيز على قصص الصمود الفردية والتحديات البيولوجية واليومية من شأنه تفكيك وتوضيح الأثر النفسي والاجتماعي العميق للحرب، وهو الكفيل بتحريك الرأي العام العالمي، والمؤسسات النسوية الشريكة، للضغط من أجل وقف الحرب، وإدخال المساعدات النوعية، ووضع قضايا نساء غزة على رأس أجندة الإغاثة والعدالة الدولية.
ختاماً وتأسيساً على ما تقدّم، فإن رعاية المرأة في قطاع غزة، والاهتمام بمتطلباتها البيولوجية والنفسية، والضغط المستمر لصالح قضاياها في المحافل الدولية، ليس مجرد عمل إغاثي ثانوي، أو استجابة طارئة تمليها ظروف الحرب، كما أنه ليس ترفاً حقوقياً تتبناه النخب؛ بل هو استراتيجية بقاء حتمية وأولوية وطنية قصوى لصون الوجود الفلسطيني بأسره.
إن المرأة الفلسطينية في غزة تمثل اليوم "النواة الصلبة" وعماد الحياة الذي يمسك بما تبقى من شظايا الأسر الغزية، ويمنع المنظومة المجتمعية والقيمية من التلاشي والانهيار التام في وجه آلة الهدم والتهجير. إنها لا تدير مجرد تفاصيل معيشية معقدة وسط الركام والخيام، بل تدير معركة حقيقية للحفاظ على النسيج البشري والاجتماعي للهوية الفلسطينية، مستمدةً قوتها من إرث تاريخي طويل للمرأة الفلسطينية التي كانت دوماً حامية البقاء والذاكرة منذ النكبة الأولى.
إن الانتقال بجهود الإغاثة من المفهوم الاستهلاكي التقليدي والمجزأ إلى "المنظور التكافلي والسياساتي المتكامل" الذي طرحناه، هو المدخل الإنساني الوحيد لحفظ كرامة هذه المرأة وكفالة استمراريتها. إن الاستثمار في حماية نساء غزة وتأمين احتياجاتهن المركزية والتكميلية هو استثمار مباشر في صمود الإنسان الفلسطيني على أرضه، وإنقاذٍ واعي للجيل القادم من رحم الطمس والضياع.
لذا، يجب على الكل الفلسطيني، والمؤسسات الحقوقية والنسوية العربية والدولية، ألا يكتفوا برصد مأساة المرأة الغزية كأرقام صماء أو كضحية سلبية في التقارير الدورية، بل عليهم المسارعة إلى تبني هذه الرؤية الشاملة وتحويلها إلى سياسات ضغط حقيقية؛ لأن انكسار المرأة في غزة -لا سمح الله- هو انكسار لآخر حصون الحماية المجتمعية والنفسية، وفي المقابل، فإن إسنادها وتمكينها هو الضمانة الأكيدة لعبور المجتمع من ضفة المأساة المركبة إلى رحاب البقاء والمقاومة والعدالة.
