هل يشكل السلام أكبر تهديد لبقاء النظام الإيراني؟
مهدي رضا
أمد/ كثيراً ما يُطرح السؤال عمّا إذا كان النظام الإيراني يريد الحرب أو يفضل التهدئة. لكن هذا السؤال، على أهميته، لا يلامس جوهر القضية. فالمعضلة الحقيقية ليست في تفضيل الحرب أو السلام، بل في أن السلام نفسه قد يتحول إلى أكبر تهديد لبقاء النظام.
فالدول الطبيعية تعتبر الاستقرار هدفاً سياسياً واقتصادياً، وتسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع محيطها من أجل التنمية والازدهار. أما في حالة نظام ولاية الفقيه، فإن استمرار التوتر لم يعد مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل أصبح جزءاً من آلية إنتاج السلطة وإعادة إنتاجها.
لقد بنى النظام، طوال عقود، شرعيته على وجود مواجهة دائمة؛ مرة مع الولايات المتحدة، ومرة مع إسرائيل، ومرة عبر الصراعات الإقليمية أو التوتر في الخليج. وفي الداخل، استُخدمت هذه المواجهات لتبرير عسكرة الدولة، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية، وتشديد القيود على المجتمع، وإقناع الأنصار بأن البلاد تعيش «حالة حصار» تستوجب التضحية والصبر.
لكن ماذا سيحدث لو انتهت هذه المواجهة فعلاً؟
عندها ستتحول الأنظار مباشرة إلى الداخل. سيطالب الإيرانيون بتحسين مستوى المعيشة، ووقف التدهور الاقتصادي، ومعالجة البطالة، واحتواء التضخم، ووضع حد لارتفاع أسعار الخبز والسلع الأساسية. كما ستزداد المطالب بوقف الإعدامات، وتوسيع الحريات، وإعادة توزيع الثروة الوطنية بعيداً عن المشاريع العسكرية والتدخلات الخارجية.
وهنا تكمن المعضلة. فالنظام يستطيع إدارة التوتر، لكنه يجد صعوبة في إدارة السلام. لأن السلام يسحب منه أهم الذرائع التي استخدمها لتبرير سياساته طوال أكثر من أربعة عقود.
ولا يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية وحدها. فداخل بنية السلطة نفسها، ترتبط مصالح مؤسسات واسعة باستمرار حالة الاستنفار. فالاقتصاد الموازي، والصناعات العسكرية، وشبكات النفوذ الإقليمية، جميعها نشأت في بيئة تعتبر الأزمة حالة دائمة وليست استثناءً. ومن الطبيعي أن يصبح الانتقال إلى وضع طبيعي تهديداً لهذه البنية ومصالحها.
لهذا السبب، لم تُفضِ جولات التفاوض المتعاقبة إلى تغيير جوهري في سلوك النظام. فقد كانت تمنحه متنفساً مؤقتاً، لكنها لم تدفعه إلى مراجعة فلسفة الحكم. ولذلك، ما إن تخف الضغوط حتى تعود أدوات التصعيد إلى الواجهة، سواء عبر البرنامج الصاروخي، أو التحركات في الخليج، أو استخدام الأذرع المسلحة في المنطقة.
لقد أثبتت التجربة أن استمرار الدوران بين الحرب والمساومة لم ينتج سلاماً دائماً. فالحرب تزيد معاناة الشعوب، والمساومة تمنح النظام وقتاً إضافياً من دون أن تعالج أصل المشكلة. ومن هنا جاءت أهمية الرؤية التي أعاد مؤتمر إيران الحرة 2026 في باريس التأكيد عليها، والقائمة على الخيار الثالث: لا مواجهة عسكرية تدفع المنطقة إلى مزيد من الدمار، ولا سياسة استرضاء تعيد إنتاج الأزمات، بل دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة للوصول إلى انتقال ديمقراطي ينهي أسباب التوتر من جذورها.
إن المنطقة لا تحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما تحتاج إلى تغيير المعادلة التي جعلت الأزمات وسيلة للحكم. فحين تقوم في إيران دولة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع لا من صناعة الأعداء، وتحترم القانون الدولي بدلاً من توظيف الأزمات، يصبح السلام نتيجة طبيعية لا استثناءً مؤقتاً.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر دقة اليوم ليس: لماذا لا يختار النظام الإيراني السلام؟ بل: كيف يمكن لنظام جعل من الصراع شرطاً لاستمراره أن يعيش في ظل سلام حقيقي؟ والإجابة عن هذا السؤال تقود إلى حقيقة واحدة: إن السلام الدائم في إيران والمنطقة يبدأ عندما يفقد الاستبداد مبررات بقائه، ويستعيد الشعب الإيراني حقه في بناء دولة ديمقراطية تعيش بسلام مع شعبها وجوارها والعالم.
