تتجاوز المعارضة..
تقرير: كيف تدير إيران شبكاتها المالية في أوروبا لتمويل العمليات الخارجية؟
أمد/ واشنطن: شهدت العمليات الإيرانية في أوروبا تصاعدًا ملحوظًا منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتوازي مع توسع الشبكات المالية التي تعتمد عليها طهران لتمويل أنشطتها الخارجية، وفق ما خلص إليه حوار أجراه مركز التمويل والأمن الأوروبي (CFCS) التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI Europe) مع الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ماثيو ليفيت.
وبحسب التقرير، فإن العمليات الإيرانية لم تعد تقتصر على استهداف المعارضين الإيرانيين في الخارج، بل امتدت لتشمل إسرائيليين ومسؤولين غربيين حاليين وسابقين، إضافة إلى شخصيات يهودية في أوروبا وناشطين أوروبيين ينتقدون سياسات طهران أو يدعمون إسرائيل. كما يشير التقرير إلى رصد نشاط متزايد لحركة حماس خارج فلسطين ولبنان، بالتوازي مع استمرار توسع نشاط حزب الله في القارة الأوروبية.
ويلفت التقرير إلى أن الأجهزة المرتبطة بإيران باتت تعتمد بصورة متزايدة على أساليب تجنيد منخفضة التكلفة، مستوحاة من النموذج الروسي، من خلال استقطاب شبان عبر منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية لتنفيذ أعمال مراقبة أو مهام محددة مقابل مبالغ مالية محدودة.
ويرى ماثيو ليفيت أن القيادة الإيرانية تنظر إلى استهداف معارضيها في الخارج باعتباره امتدادًا لمبدأ “حماية الثورة” وليس عملاً هجومياً، بينما تهدف بعض العمليات الحالية إلى تعميق الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ورفع كلفة استمرار المواجهة بالنسبة للدول الغربية. كما يعتبر التقرير أن طهران ترى في الساحة الأوروبية هامش حركة أوسع مقارنة بالولايات المتحدة، بسبب توقعها ردود فعل أوروبية أقل صرامة.
وفي الجانب المالي، يوضح التقرير أن التمويل الإيراني يعتمد على منظومة معقدة تبدأ من عائدات النفط الخاضع للعقوبات، مرورًا بشركات واجهة وبنوك موازية وشبكات وسطاء، وصولًا إلى تمويل الحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله وحركة حماس. ويشير إلى أن بعض العمليات الصغيرة تُنفذ مقابل مئات أو آلاف اليوروهات، بينما تصل عروض التمويل في العمليات الكبرى إلى مئات الآلاف، بل ملايين الدولارات في بعض مخططات الاغتيال أو الاستهداف.
كما يربط التقرير بين هذه الشبكات المالية وبرامج شراء الأسلحة، موضحًا أنها استُخدمت خلال الحرب السورية للتواصل مع شبكات الجريمة المنظمة بهدف شراء أسلحة غربية لحزب الله، وهو ما يعكس تداخلًا متزايدًا بين الجريمة المنظمة وتمويل الأنشطة العسكرية الإيرانية.
وتشير الدراسة إلى أن مسارات التحايل على العقوبات تمتد عبر الصين وهونغ كونغ والإمارات وتركيا والعراق ولبنان واليمن وفنزويلا، مع اعتماد طهران على مراكز تجارية وشبكات تحويل مالية معقدة للحفاظ على تدفق الأموال بعيدًا عن أنظمة الرقابة الدولية. وترى أن التطورات الأمنية الأخيرة في الخليج قد تمنح بعض الدول، وفي مقدمتها الإمارات، فرصة لتضييق الخناق على هذه الشبكات المالية.
وفي تقييمه للاستجابة الأوروبية، يشير التقرير إلى وجود تحسن في الجانب الأمني من خلال الانتقال من عمليات الترحيل السريع إلى المحاكمات العلنية، وتصنيف عناصر من أجهزة الاستخبارات الإيرانية، لكنه يؤكد استمرار ضعف واضح في ملاحقة شبكات التمويل، مقارنة بالنهج الأمريكي الذي يمنح أولوية أكبر لتفكيك البنية المالية الداعمة لهذه العمليات. كما يعتبر أن تصنيف الحرس الثوري الإيراني على مستوى الاتحاد الأوروبي يمثل خطوة مهمة قد توسع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون في التحقيق بعمليات التمويل المرتبطة به.
ويخلص التقرير إلى أن مواجهة النشاط الإيراني تتطلب اعترافًا سياسيًا أوسع بحجم التهديد، وتصنيف الحرس الثوري وفيلق القدس داخل الدول الأوروبية، ودمج جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون مع القطاع الخاص لسد ما وصفه بـ”الثغرة الأوروبية” في مواجهة الشبكات المالية الإيرانية.
كما يحذر التقرير من احتمال تصاعد النشاط الإيراني الخارجي خلال المرحلة المقبلة، في ظل تنامي نفوذ شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، وتفاقم الضغوط الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما قد يدفع النظام إلى استخدام التصعيد الخارجي كوسيلة لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، داعيًا إلى الاستعداد المسبق وإرسال رسائل ردع واضحة والاستجابة السريعة لأي محاولات جديدة تستهدف أوروبا أو الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا.
