الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

نظام عالمي بلا هيمنة: هل يصبح "وفاق القوى" بديلاً عملياً للفوضى الدولية؟

نظام عالمي بلا هيمنة: هل يصبح "وفاق القوى" بديلاً عملياً للفوضى الدولية؟

تاريخ النشر: 2026-09-11 | 17:52

عواصم: يتجه النظام الدولي نحو مرحلة يصعب فيها على قوة واحدة فرض قواعدها على بقية العالم، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الدولية القائمة على إدارة التنافس بين القوى الكبرى ومعالجة الأزمات المتصاعدة. وبين انحسار الهيمنة الغربية، وصعود قوى جديدة، وتنامي النزعات الإقليمية، يبرز سؤال جوهري بشأن شكل النظام القادر على الحفاظ على قدر معقول من الاستقرار في عالم أكثر تعددية وتعقيداً.

وفي مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Policy في 8 سبتمبر/أيلول 2026 بعنوان «The World’s Only Real Hope of Maintaining Order»، يطرح أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورجتاون والزميل الأقدم في مجلس العلاقات الخارجية تشارلز أ. كابشان تصوراً لإعادة بناء الحوكمة الدولية، يقوم على الجمع بين تعزيز دور الأقاليم وإنشاء آلية مرنة للتنسيق المستمر بين القوى الكبرى.

وينطلق كابشان من أن تراجع التفوق الغربي لم يعد تطوراً مؤقتاً يمكن عكسه، وإنما تحول بنيوي يعكس انتشار القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية خارج الولايات المتحدة وأوروبا. ويربط هذا التحول بأزمة داخلية تعيشها الديمقراطيات الليبرالية نفسها، بفعل تداعيات العولمة والأتمتة والتجارة الحرة وتراجع الطبقات الوسطى وتآكل الوسط السياسي.

ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى التحولات السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية باعتبارها سبباً رئيسياً لأزمة النظام الليبرالي الدولي، بل تعبيراً عن أزمة أوسع أصابت الأسس الاجتماعية والسياسية التي قام عليها ذلك النظام.

عالم متعدد المراكز

يتوقع التصور المطروح نشوء عالم «متعدد المراكز ومتعدد الأنظمة»، لا تستطيع فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الاحتفاظ بموقع الهيمنة السابق، في حين لا تبدو الصين، حتى في ظل شراكتها الوثيقة مع روسيا، قادرة على بناء نظام عالمي يتمحور حولها.

وفي هذه البيئة ستزداد قدرة القوى الصاعدة والمتوسطة، مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا ونيجيريا وتركيا، على التحرك بصورة أكثر استقلالية، مع تبني تحالفات وشراكات مرنة تتغير وفق المصالح والملفات، بدلاً من الانخراط في محاور دولية ثابتة.

ويعني ذلك أن النظام المقبل قد يكون أقل تجانساً من النظام الذي سعى الغرب إلى بنائه بعد الحرب العالمية الثانية، وأكثر قبولاً بوجود أنظمة سياسية وقيم ونماذج حكم متباينة تتعايش داخل بنية دولية واحدة.

الأقاليم في قلب النظام الجديد

يقوم المستوى الأول من التصور الجديد على منح الأقاليم والمنظمات الإقليمية مسؤولية أكبر في إدارة ملفات الأمن والاقتصاد والاستقرار السياسي.

وتستند الفكرة إلى أن الدول القريبة جغرافياً من الأزمات تكون أكثر تأثراً بنتائجها، وبالتالي أكثر استعداداً لتحمل تكلفة التعامل معها. كما أن الروابط التجارية والاجتماعية والثقافية تمنح الدول المتجاورة دوافع إضافية لبناء ترتيبات مشتركة.

وتعزز التحولات الاقتصادية هذا الاتجاه. فالتجارة داخل الأقاليم أصبحت تمثل نسباً كبيرة من التدفقات التجارية العالمية؛ إذ تتركز قرابة ثلث تجارة الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك، بينما تجري نحو ثلثي تجارة دول الاتحاد الأوروبي داخل الاتحاد نفسه، وتتجاوز التجارة البينية أكثر من نصف التجارة الدولية في آسيا.

وفق هذا النموذج، يمكن أن تتحول مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون الخليجي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الدول الأمريكية إلى لبنات رئيسية في بنية النظام الدولي.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه المؤسسات تتمتع بالمستوى نفسه من الفاعلية أو القدرة المؤسسية، بل إن بعضها يحتاج إلى تطوير عميق قبل أن يصبح قادراً على تحمل مسؤوليات سياسية وأمنية أكبر.

القوة الإقليمية تحت قيود المؤسسة

يرى التصور أن التفاوت في القوة بين دول الإقليم الواحد لا يؤدي بالضرورة إلى الهيمنة أو الفوضى إذا جرى احتواؤه ضمن ترتيبات مؤسسية.

فالدول الكبرى يمكنها توفير القيادة والموارد والقدرات الأمنية، بينما تمنح المؤسسات المشتركة الدول الأصغر أدوات للحد من هيمنة الجيران الأقوى وإدخال علاقات القوة في أطر أكثر توافقية.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي وآسيان باعتبارها نماذج متفاوتة لتنسيق نفوذ القوى الأكبر داخل ترتيبات جماعية تحاول تحقيق التوازن بين الفاعلية والسيادة الوطنية.

عودة مناطق النفوذ

أكثر جوانب الطرح إثارة للجدل يتعلق بإمكانية عودة «مناطق النفوذ» بوصفها جزءاً من النظام العالمي المقبل.

فمع تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض قواعد موحدة على النظام الدولي، قد تتزايد مطالبة القوى الإقليمية الكبرى بدور أوسع في محيطها المباشر.

ويعترف هذا التصور بخطورة مناطق النفوذ عندما تتحول إلى أداة للإكراه، كما أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنه يفترض في المقابل أن الاعتراف المتبادل بالمصالح الاستراتيجية الأساسية للقوى الكبرى، ووضعها ضمن مؤسسات وقواعد إقليمية، ربما يساعد في تقليل احتمالات المواجهة.

غير أن هذه الفرضية تظل من أكثر عناصر النموذج عرضة للنقاش، لأنها تقوم على إمكانية تحويل مناطق النفوذ من علاقات تقوم على فرض القوة إلى ترتيبات تستند بصورة أكبر إلى التوافق والمؤسسات.

«وفاق عالمي» للقوى الكبرى

لكن تحويل مزيد من المسؤوليات إلى الأقاليم لا يحل مشكلة إدارة القضايا العالمية المشتركة، مثل المناخ والتجارة والتكنولوجيا والصحة والأزمات المالية والصراعات بين القوى الكبرى.

لذلك يقوم المستوى الثاني من التصور على إنشاء ما يمكن وصفه بـ«وفاق عالمي»، وهو مجلس محدود العضوية يضم أبرز القوى الدولية، ويعمل بصورة مستمرة وغير رسمية لتقريب المواقف قبل انتقال الملفات إلى المؤسسات الدولية الرسمية.

وتستلهم الفكرة تجربة «وفاق أوروبا» الذي نشأ بعد الحروب النابليونية عام 1815، حين اعتمدت القوى الأوروبية الكبرى على التشاور والدبلوماسية المستمرة لإدارة خلافاتها، بدلاً من بناء مؤسسة فوق وطنية ذات قواعد قانونية ملزمة.

ويفترض أن يضم الوفاق المقترح في مرحلته الأولى الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند واليابان والاتحاد الأوروبي، بينما تمثل مناطق أخرى من العالم عبر مؤسساتها الإقليمية؛ فآسيان تمثل جنوب شرق آسيا، وجامعة الدول العربية الشرق الأوسط، والاتحاد الأفريقي القارة الأفريقية، ومنظمة الدول الأمريكية أمريكا اللاتينية.

ويُطرح أن يكون مقر هذه الآلية في مدينة ذات موقع رمزي وجغرافي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، مع الإشارة إلى إسطنبول أو دبي كخيارين محتملين.

مجموعات اتصال للأزمات الكبرى

لن يعمل الوفاق العالمي من خلال القمم الدورية فقط، وإنما عبر اجتماعات وتشاور مستمرين، إلى جانب إنشاء مجموعات اتصال صغيرة ومتخصصة تتعامل مع الأزمات والملفات الأكثر حساسية.

ويمكن أن تشمل هذه المجموعات ملفات مثل الحرب في أوكرانيا، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وإيران، وتايوان، إضافة إلى قضايا التجارة العالمية والمناخ والذكاء الاصطناعي والصحة والتنمية.

وتقوم الفكرة على أن المجموعات الأصغر قد تكون أكثر قدرة على بناء التفاهم من المؤسسات الواسعة التي تضم عشرات الدول وتواجه تعقيدات سياسية وإجرائية، وخصوصاً عندما تتطلب القرارات توافقاً واسعاً أو تكون عرضة لحق النقض.

وتشير التجربة الدولية بالفعل إلى توسع استخدام مجموعات الاتصال والتحالفات المؤقتة في إدارة ملفات معقدة، من البلقان إلى المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني وغيرها من الأزمات الدولية.

الأمم المتحدة باقية

لا يستهدف النموذج إلغاء الأمم المتحدة أو إنشاء مؤسسة دولية تنافسها، بل محاولة جعلها أكثر قدرة على العمل.

فبدلاً من مطالبة مجلس الأمن أو الجمعية العامة ببناء التوافق السياسي من نقطة الصفر، تتولى مجموعات الوفاق إجراء الجزء الأكثر صعوبة من المفاوضات بين القوى الرئيسية، ثم تنتقل التفاهمات إلى المؤسسات الدولية والإقليمية القائمة للحصول على الشرعية القانونية والسياسية وتنفيذ القرارات.

وبذلك يصبح الوفاق العالمي مساحة دائمة ومغلقة للتشاور السياسي، بينما تبقى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الإطار المؤسسي الرسمي لإقرار السياسات وتنفيذها.

معادلة بين الإقليم والعالم

جوهر النموذج المقترح يتمثل في الجمع بين اتجاهين قد يبدوان متناقضين: تفويض مزيد من السلطة والمسؤولية إلى الأقاليم من جهة، والحفاظ على مستوى عالمي للتنسيق بين القوى الكبرى من جهة أخرى.

فالتحول إلى تعددية قطبية لا يعني انتهاء الاعتماد المتبادل بين الدول. ورغم تزايد الحمائية وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، ستظل الاقتصادات مترابطة، وستبقى الأزمات الأمنية والبيئية والتكنولوجية قادرة على تجاوز الحدود بسرعة.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى نظام يستطيع الاعتراف بالتنوع السياسي والجغرافي المتزايد من دون التخلي عن قنوات التعاون العالمي.

ولا يقدم هذا التصور باعتباره وصفة مضمونة النجاح. فالمنظمات الإقليمية قد تعجز عن منع النزاعات، والقوى الكبرى ستواصل التنافس، ولن تختفي الصراعات حول المصالح والنفوذ، كما أن تحديات عالمية مثل تغير المناخ والتكنولوجيا المتقدمة ستظل تحتاج إلى مستويات عالية من التنسيق الدولي.

لكن الرهان الأساسي هو أن النظام الذي نشأ في مرحلة الهيمنة الغربية لم يعد قادراً وحده على تنظيم عالم يتجه بصورة متزايدة نحو توزيع أوسع للقوة. وفي مواجهة هذا التحول، قد تصبح الحوكمة الإقليمية المدعومة بآلية دائمة للتفاهم بين القوى الكبرى أحد الخيارات المطروحة لتقليل مخاطر الفوضى والصدام خلال الانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

×
أخبار
فوكوياما يُراجع "نهاية التاريخ" في 2026: الخطر الحقيقي يتهدد "الليبرالية" لا "الديمقراطية" تقدم الحوثيين يعيد تشكيل حروب الشرق الأوسط: باب المندب يتحول إلى جبهة موازية لهرمز الحوثيون يستكملون السيطرة على باب المندب والجزر الإستراتيجية بالساحل الغربي نظام عالمي بلا هيمنة: هل يصبح "وفاق القوى" بديلاً عملياً للفوضى الدولية؟ خلافات "بريكس" تحول دون صدور بيان مشترك وسجال إيراني إماراتي حاد اجتماع مرتقب بين إيران ودول الخليج في مسعى لإبرام اتفاق بشأن مضيق هرمز باكستان: نسعى لاستئناف مفاوضات واشنطن وطهران رغم النكسات بن كسبيت: مسؤولية نتنياهو عن إخفاقات 7 أكتوبر تتجاوز مسألة التحذيرات المسبقة شهداء وجرحى في غارات إسرائيلية متواصلة استهدفت عدة مناطق بقطاع غزة جيش الاحتلال ينفذ تفجيرات جنوبي لبنان ويستكمل انسحابه من مرتفعات "علي الطاهر" النينيو 2026: شبح الجفاف يهدد سلة الغذاء العالمية ويرفع أسعار السلع القياسية البندقية تشتعل بالدموع والتصفيق: "نازا" يحطم الرقم القياسي في المهرجان السينمائي- فيديو بزشكيان: لا أؤيد استمرار الحرب ويجب الصمود أمام الظروف القادمة بري يحذر: الوضع خطير وإسرائيل قادرة على الاحتلال..واتفاق الإطار طار عراقجي وقائد جيش باكستان ناقشا هاتفيا تهدئة صراع الشرق الأوسط موقع: ترامب رفض طلب بن سلمان بشن ضربات على الحوثيين استطلاع: تراجع كبير لحزب الليكود وآيزنكوت يطيح بنتناهو..والقوائم العربية ترسم القادم كشف خريطة استيطانية للسيطرة على أكثر من 1.1 مليون دونم في الضفة الغربية في قفزة كبيرة..النفط يتجاوز 109 دولارات مع تصاعد اضطرابات الملاحة أولمرت يرجح صحة أنباء تحذير الإمارات لنتنياهو قبل 7 أكتوبر - فيديو عبري: جولة مفاوضات جديدة لبحث تشكيل قوة للتحقق من خلو مناطق تجريبية من حزب الله محدث- أربعة شهداء في قصف قصف جيش الاحتلال في خانيونس- صور الخزانة الأمريكية تعلن فرض عقوبات جديدة على "شبكات تدعم حلفاء إيران"  نتنياهو: إيران تحاول التسلح النووي مجدداً ولن أسمح لها بذلك ما دمت رئيساً للحكومة الضفة و"خطّة الحسم" تحت سيف الوقت هيلاري كلينتون: أحب إسرائيل لكنني أكره حكومة نتنياهو وسياساتها..ويمكننا العمل مع حكومة جديدة الوكالة الذرية تؤكد وجود أنشطة بموقع جبل الفأس في إيران الجزائر تقرر إغلاق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية العفو الدولية: يجب اتخاذ إجراءات عملية ضد التجارة مع المستوطنات لإنهاء الاحتلال ونظام الأبارتهايد سوريا: إطلاق سراح الفلسطيني عادل الناطور..وإلغاء قرار إبعاده

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط