تاريخ النشر: 2026-09-11 | 18:30
تاريخ النشر: 2026-09-11 | 18:30
واشنطن :تشهد الحرب في اليمن تحولًا نوعيًا مع انتقال الحوثيين من قوة محلية مهيمنة في شمال البلاد إلى فاعل قادر على التأثير مباشرة في أمن البحر الأحمر ومسارات الطاقة والتجارة الدولية. وبحسب تحليل استراتيجي للباحثة أبريل لونغلي آلي (April Longley Alley) نشرته مجلة Foreign Affairs في 11 سبتمبر/أيلول 2026، فإن سيطرة الحوثيين على ميناء المخا وجزيرة بريم، إلى جانب تصعيد هجماتهم على السعودية، فتحت عمليًا «جبهة ثانية» مرتبطة بالحرب مع إيران، ورفعت أهمية باب المندب بوصفه ممرًا استراتيجيًا موازيًا لمضيق هرمز في معادلة الطاقة والأمن الإقليمي.
وجاء هذا التحول بعد موجة من الهجمات الحوثية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية على السعودية، تسببت في حرائق بمنشآت نفطية وإصابة أكثر من 70 شخصًا. وتزامن ذلك مع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على ميناء المخا، قبل أن تعلن الحكومة اليمنية سقوط جزيرة بريم عند مدخل باب المندب، وهو ما غيّر ميزان القوى حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتمنح السيطرة على المخا وبريم الحوثيين قدرة أكبر على تهديد حركة الملاحة في باب المندب، كما تزيد بصورة غير مباشرة من النفوذ الإيراني على أحد أهم مسارات التجارة والطاقة العالمية. وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز نتيجة الحرب مع إيران، الأمر الذي دفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على موانئ البحر الأحمر ومسارات التصدير الغربية.
وتشير الأرقام الواردة في التحليل إلى أن صادرات النفط السعودية المارة عبر باب المندب تراجعت بنسبة 95 في المئة منذ استئناف الحوثيين هجماتهم في يوليو/تموز. كما يقدر التحليل أن السعودية حاولت تحويل ما بين ثلاثة وخمسة ملايين برميل من النفط يوميًا إلى مسارات البحر الأحمر، ما جعل أمن هذه المنطقة عاملًا أساسيًا في قدرة الرياض على التعامل مع الضغوط المرتبطة بهرمز.
وبذلك لم تعد الجبهة اليمنية منفصلة عن الحرب الإقليمية الأوسع. فالضغط على باب المندب بات يستهدف عمليًا البدائل التي تعتمد عليها السعودية لتجاوز هرمز، وهو ما يربط الجبهة اليمنية مباشرة بأمن الطاقة والأسواق العالمية.
وكان الحوثيون قد ظلوا إلى حد كبير على هامش الحرب مع إيران لنحو خمسة أشهر بعد اندلاعها في أواخر فبراير/شباط. لكن التحول بدأ في منتصف يوليو/تموز، عندما نقل الإيرانيون وفدًا حوثيًا من طهران باتجاه صنعاء جوًا. ودفع ذلك السعودية والحكومة اليمنية إلى استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع الطائرة من الهبوط.
وترى الكاتبة أن هذه الحادثة وفرت للحوثيين ذريعة للتخلي عن حالة التهدئة والانتقال إلى تصعيد مفتوح ضد المصالح السعودية والقوات الحكومية اليمنية، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة أكثر ارتباطًا بالحرب الإقليمية وأقل خضوعًا للحسابات اليمنية الداخلية وحدها.
ويأتي هذا التصعيد في وقت باتت فيه الجماعة تمتلك قدرات عسكرية أكثر تطورًا مقارنة بمراحل سابقة من الحرب. فعلى الرغم من الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت مناطق سيطرتها خلال عام 2025، واصل الحوثيون تطوير ترسانتهم عبر شبكات إمداد وتمويل متعددة، إلى جانب توسيع قدراتهم في الإنتاج المحلي للأسلحة.
كما يشير التحليل إلى أن روسيا سبق أن قدمت معلومات استخبارية ساعدت الحوثيين في استهداف سفن خلال حرب غزة، قبل أن تتراجع عن تزويدهم بأسلحة أكثر تقدمًا بعد ضغوط سعودية. وتظهر هذه التطورات أن الجماعة لم تعد تعتمد فقط على قنوات الدعم التقليدية، بل باتت جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات والاتصالات الدولية والإقليمية.
سياسيًا، يُتوقع أن تنعكس المكاسب العسكرية الجديدة على سقف المطالب الحوثية. ففي عام 2023 ساعدت الأمم المتحدة في التفاوض على خريطة طريق تضمنت دفع رواتب موظفي القطاع العام وتقاسم جزء من عائدات النفط والغاز مقابل وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية سياسية.
إلا أن الحوثيين لم يمضوا في التسوية، وانتقلوا لاحقًا إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر. واليوم، وبعد المكاسب الميدانية الأخيرة، يعتقد قادة الجماعة أنهم قادرون على انتزاع شروط أفضل، قد تشمل المطالبة بتعويضات مرتبطة بالحرب وترتيبات سياسية واقتصادية تتجاوز ما كان مطروحًا في خريطة الطريق السابقة.
في المقابل، تواجه السعودية معضلة متزايدة التعقيد. فالمملكة التي سعت خلال السنوات الماضية إلى خفض التصعيد مع الحوثيين أصبحت أكثر اعتمادًا على البحر الأحمر بسبب أزمة هرمز، ما جعل الهجمات الحوثية تستهدف نقطة ضعف استراتيجية مباشرة.
وفي هذا السياق، أعلنت الرياض في 30 يوليو/تموز تشكيل تحالف بحري للدفاع عن البحر الأحمر يضم 14 دولة، ثم وقعت اتفاق دفاع متبادل مع تركيا وباكستان. غير أن التحليل يرى أن القيمة العملياتية الفعلية لهذه الترتيبات لم تتضح بعد، إذ لم تدخل أنقرة أو إسلام آباد مباشرة في القتال، كما لم يتم تفعيل اتفاق مكة ردًا على الحرب في اليمن.
كما أشار التحليل إلى أن باكستان حذرت إيران من ضرورة كبح الحوثيين قبيل سقوط المخا، لكن هذا التحذير لم يترجم إلى تدخل مباشر أو ترتيبات ردع عسكرية فاعلة على الأرض.
ولا تقتصر المشكلة على تطور القدرات الحوثية، بل تمتد إلى هشاشة المعسكر اليمني المناهض للجماعة. فبعد خروج الإمارات من اليمن وتفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي، تراجع جزء من التماسك العسكري والسياسي للقوى المناهضة للحوثيين، وهو ما ظهر بوضوح خلال الانسحاب من المخا.
وكانت السعودية قد دفعت في يناير/كانون الثاني باتجاه إقصاء النفوذ الإماراتي وإنهاء دور المجلس الانتقالي الجنوبي، لتصبح القوات الحكومية تحت قيادة سعودية أكثر مباشرة. إلا أن سقوط المخا كشف أن توحيد القيادة على المستوى الإداري لم يترجم إلى تعاون ميداني فعال.
فقد ظهرت خلافات بين وحدات شمالية وجنوبية أثناء الانسحاب، ما عكس استمرار الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وترى الكاتبة أن غياب الإمارات والمجلس الانتقالي أفقد هذا المعسكر قوة جنوبية مهمة وداعمًا خارجيًا يمتلك خبرة عسكرية متراكمة.
وتتمثل المعادلة الأخطر في احتمال تشكل ما يمكن وصفه بـ«الاختناق المزدوج». فإذا كان النفوذ الإيراني في مضيق هرمز يمنح طهران قدرة على التأثير في واحد من أهم ممرات الطاقة العالمية، فإن تقدم الحوثيين حول باب المندب يمنح إيران وشريكها اليمني قدرة موازية على التأثير في البحر الأحمر.
ولا يقدم التحليل العلاقة بين إيران والحوثيين باعتبارها علاقة قيادة وسيطرة مباشرة، بل باعتبارها علاقة نفوذ قوي من جانب طهران، في مقابل هامش واسع من الاستقلالية العملياتية والسياسية لدى الجماعة.
وفي الوقت نفسه، وسّع الحوثيون اتصالاتهم مع جماعات مسلحة في العراق والصومال والسودان والقرن الأفريقي، ما يزيد من احتمال انتقال التوتر من البحر الأحمر إلى شبكة إقليمية أوسع من ساحات الضغط غير المباشر.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن التزامن بين الضغط على هرمز وباب المندب يمكن أن يرفع حساسية أسواق الطاقة والتجارة العالمية لأي تصعيد إضافي، كما يجعل حماية الممرات البديلة والموانئ والمنشآت المطلة على البحر الأحمر جزءًا أساسيًا من معادلة الردع الإقليمي.
ومن هنا، لم يعد أمن البحر الأحمر مسألة بحرية منفصلة، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالحرب الإقليمية، وأمن الطاقة، وقدرة الدول الخليجية على حماية صادراتها وطرق التجارة الحيوية.
ورغم التصعيد، لا يرى التحليل أن خيار الحسم العسكري الكامل ضد الحوثيين واقعي في المدى المنظور. فضعف تماسك القوات الحكومية اليمنية، والانقسامات السياسية والعسكرية داخل المعسكر المناهض للجماعة، ومحدودية التنسيق العسكري مع الرياض، تجعل أي حملة واسعة عرضة لإطالة أمد الحرب من دون تحقيق نتائج حاسمة.
وفي المقابل، فإن الاستجابة لمطالب الحوثيين بعد مكاسبهم الميدانية قد تشجعهم على رفع سقف طموحاتهم السياسية والإقليمية.
لذلك، يقترح التحليل الجمع بين ضغط عسكري محدود يكفي لوقف المزيد من التقدم الحوثي، وبين مسار سياسي يعالج الانقسامات داخل المعسكر اليمني المناهض للجماعة ويعيد التفاوض إلى مركز الاستراتيجية.
ويستند هذا التصور إلى أن المسار الأقل كلفة لا يتمثل في السعي إلى هزيمة كاملة للحوثيين، بل في منعهم من فرض أمر واقع جديد حول باب المندب، ثم استخدام الضغط العسكري والسياسي لإعادتهم إلى تسوية قابلة للاستمرار.
كما يلفت التحليل إلى أن أي حملة عسكرية لا تعالج ضعف البنية الداخلية للقوى اليمنية المناهضة للحوثيين قد تمنح الجماعة مكاسب سياسية حتى إذا تعرضت لخسائر عسكرية في الميدان.
وبذلك تدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة تتجاوز الصراع الداخلي على السلطة والنفوذ. فقد أصبح اليمن جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تشمل أمن البحر الأحمر، ومضيق هرمز، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدفاعية الجديدة، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
ويحذر التحليل من أن استمرار هذا المسار قد يحول اليمن من ساحة تنافس إقليمي إلى منصة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا وتركيا وإيران، إلى جانب القوى الخليجية.
وفي هذا السياق، تمثل السيطرة الحوثية على المخا وبريم، إذا استقرت، تحولًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد القدرة على تهديد السفن، لأنها تعني امتلاك نفوذ جغرافي مباشر قرب باب المندب.
أما التحدي الأكبر فيتمثل في احتمال تزامن هذا النفوذ مع قدرة إيران على الضغط في هرمز، بما يجعل ممرين بحريين حاسمين للتجارة والطاقة العالميتين عرضة للتأثير المتزامن من قوى مترابطة سياسيًا وعسكريًا.
وعليه، فإن مستقبل الصراع في اليمن لم يعد يرتبط فقط بموازين القوى الداخلية أو بمصير التسوية السياسية، بل بات جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة وإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط.