مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

بكائيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

بكائيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

تاريخ النشر: 2017-01-28 | 09:10

قديماً بكى أبو عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة ذهاب سلطانه وتفكك ملكه، وتهاوي عرشه وشتات شعبه وتمزيق جيشه، وقد طوى متاعه وحمل عصا ترحاله الذليل ورحل عن الأندلس، وسلم صاغراً مفاتيح آخر ممالك المسلمين فيها، فنظرت إليه أمه عائشة وقالت بحزنٍ وأسى " أتبكي على ضياع ملكٍ بكاء النساء لم تدافع عنه دفاع الرجال"، وقد خلد التاريخ كلمات أمه عائشة التي عرفت بــ"الحرة" وحفظها، إذ نطقت بالحق وقالت الصدق، وعبرت عن حقيقة الحال بلسانٍ عربيٍ مبينٍ، وبلاغةٍ وإيجازٍ متينٍ، لكل من أراد أن يتدبر أو يعي، وأن يتعلم ويهتدي، من أمٍ تقرع ولدها وتؤنبه، وتدينه وتجرمه، وتتهمه ولا تبرؤه.

وحق للعرب تحديداً وللمسلمين عامةً أن يتذكروا كلماتها وأن يقفوا عندها، إذ فيها عبرٌ ومواعظٌ، وعقلٌ ورشدٌ ناضجٌ، ونصحٌ وحكمةٌ ومواقفٌ، لو وعيها العرب وفهمها المسلمون وأدركها المسؤولون ما خسروا شيئاً، ولا فقدوا ملكاً، ولا بكوا على أطلالٍ، ولا حزنوا على الرحيل من الديار، ولا طأطأوا رأساً لعدوٍ، ولا سلموا له رقابهم وخيرات بلادهم، ولبقوا في أرضهم أعزةً وفي ديارهم ملوكاً كراماً، لكنهم فرطوا في ملكهم، وهان عليهم شعبهم، وانشغلوا في الحروب على بعضهم، والتآمر فيما بينهم، فشقوا صفوفهم، وأهانوا شعبهم، وأضعفوا بالاقتتال قوتهم، ومكنوا باختلافهم عدوهم منهم، فانتصر عليهم وشتتهم، وأجبرهم على الاستسلام وأذلهم، وسطر في صفحاته انتصاراً عليهم ما زال يعيش زهوته وأفراحه إلى اليوم.

يبدو أن الزمان يعيد نفسه ويكرر بعض أشخاصه، ويصيبنا في القلب من قضايانا، فاليوم كثر البكاؤون على القدس ومكانتها، وعلى رمزيتها ومقامها، وتنافسوا في بيان المخاطر المحدقة بها، والتهديدات التي تكتنفها، والمستقبل المجهول الذي يتربص بها، وارتفعت أصواتهم وعلا نحيبهم، وطغى النشيج الحزين على كلماتهم، وبدا الأنين والوجع على وجوههم، وكأنهم ينعون إلى الأمة ملكاً كانوا سبباً في ضياعه، وطرفاً في فقدانه، إذ لم يدافعوا عنه دفاع الرجال، ولم يتركوا الأبطال الأحرار ليدافعوا عنه، بل عقروا الرجال، وخانوا الأبطال، والتفوا على مقاومة الشجعان، وتحالفوا مع العدو وانتصروا له، ووقفوا إلى جانبه وأيدوه بما احتاج ورغب، وساعدوه في السيطرة والهيمنة، وإن بدوا أنهم يناصبونه العداء، ويبادلونه الكراهية، إلا أنهم في الحقيقة يسلمون له مفاتيح القدس كما سلم أسلافهم من قبل مفاتيح فردوس العرب والمسلمين في الأندلس.

لكن الخلف الحاكم والمالك اليوم، الذين نصبوا أنفسهم ممثلين عن الأمة، واغتصبوا حقها في أن يختاروا من بينهم حكامها، وادعوا أنهم سدنتها وقادتها، وملوكها وأمراؤها، ورؤساؤها وحكامها، هم أسوأ بكثير من أبي عبد الله الصغير وإن كانت خاتمته سيئة، ونهايته أليمة، إلا أنه قاتل وقاوم، وواجه واستعد، وحاول وبذل أقصى ما يستطيع من جهدٍ وطاقةٍ ليبقي حكم العرب في الأندلس، ولا يطوي صفحة المسلمين فيها، وإن كانت الظروف قد خانته، والحروب الداخلية قد أنهكته، والحاجة المادية قد أعوزته، دون أن نغفر له عظم خطيئته وفساد نفسه وسوء طويته.

أما الحكومات العربية فإنها اليوم أسوأ بكثير من أبي عبد الله الصغير، ولا ترق لأن تكون مثله، أو أن تقوم بدوره، فهي لم تعد لهذا اليوم عدته، ولم تستعد له كما ينبغي وحسب، ولكنها تواطئت مع العدو ووافقت، وسكتت عن جرائمه وخنعت، واعترفت به ورضيت، وقبلت بوجوده وطبَّعت، حتى أنها فقدت براءة بكاء النساء وطهر دموعهن وصدق عاطفتهن.

ذلك أن التهديد الأمريكي بنقل سفارتهم في الكيان الصهيوني إلى مدينة القدس المحتلة تهديدٌ قديمٌ، هدد باللجوء إليه أغلب الرؤساء الأمريكيين السابقين، فضلاً عن استخدامهم له في الحملات الانتخابية الرئاسية، إلا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي قد دأبت على تأجيله دورياً وبانتظام كل ستة أشهر، بما يبقي على القرار قائماً قانوناً كسيفٍ مسلطٍ، ولا يلغيه فعلاً بما ينهي التهديد بتنفيذه، أي أن الحكومات العربية وغيرها من المهتمين بالشأن الفلسطيني، ومنهم السلطة الفلسطينية نفسها، يعرفون بالقرار الأمريكي، ويدركون أنه قد ينفذ في يومٍ ما، وأن عدم تنفيذه فعلياً ناتجٌ عن قرارٍ رئاسي أمريكي وليس نتيجة ضغوط عربيةٍ وإسلامية، أو خوفاً من تهديداتٍ حقيقية.

فهل تهيأت منظمة التحرير وفصائل المقاومة الفلسطينية على اختلافها، والحكومات العربية والإسلامية، ومعهم جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وأنصار القضية الفلسطينية لهذه الخطوة وتحسبوا لهذا الخطر، وأعدوا العدة المناسبة لمواجهته أو إجهاضه، وحذروا الإدارة الأمريكية من مغبة الإقدام عليه وتنفيذه، خاصة أنهم جميعاً يعرفون أن هذا التهديد لا محالة يوماً سيتحقق، وأن الإدارة الأمريكية تحتفظ في أدراجها بهذا القرار جاهزاً لتبتز به دولاً، وتهدد به حكوماتٍ، في الوقت الذي تستخدمه لإبداء تأييدها للكيان الصهيوني، ودعمها لرغباته التاريخية وأحلامه الدينية، أم أنها بقيت صامتة تترقب وتراقب وتنتظر عاجزةً، وربما لا تطلب ولا تتوسل، ولا تأمل ولا ترجو، إذ أنها لا تملك أن تفعل شيئاً يبطل القرار، وينهي كل مفاعيله القانونية والسياسية.

ألا يعترف كثيرٌ منهم بشرعية وجود الكيان الصهيوني ويقيمون معه علاقاتٍ دبلوماسية، ويقيم سفراؤه في عواصمهم، وألا يتعامل معه آخرون سراً وعلانيةً، في السياسة والأمن، وفي الاقتصاد والعلاقات، وفي قطاع الخدمات وتبادل المعلومات، وهم يعلمون موقفه من القدس، وهو الذي يعلن دون حياءٍ أو خوف أن القدس الموحدة هي عاصمته الأبدية الموحدة، وأنه لا ينوي التخلي عن أي جزءٍ منها، ولن يقبل أن يشاطر الفلسطينيين السكنى فيها، أو أن يكون جزءاً منها عاصمةً للدولة الفلسطينية العتيدة، في حال تأسست وأصبح لها وجودٌ حقيقي على جزءٍ من الأرض.

لا ينبغي علينا أن نراهن على حكوماتنا العربية، ولا على أنظمتنا السياسية لثني الإدارة الأمريكية عن مواقفها، وإكراه العدو الصهيوني على التنكر لأحلامه، والإقلاع عن أطماعه والتوقف عن تهديداته، فليس غير إرادة الأمة القاهرة، وصوتها الهادر، وانتفاضتها المجيدة، وثورتها المباركة، قادرة على أن تحمي مقدسات الأمة، وتذود عن حياضها الشريفة، ولن يجدي بكاء الضعفاء، ولا دموع التعساء، ولا أسى العاجزين وندم المقصرين، والتاريخ على ما نقول خيرُ شاهدٍ، والزمان أصدقُ كتابٍ وأبلغُ راوٍ.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط