تاريخ النشر: 2026-10-15 | 14:45
تاريخ النشر: 2026-10-15 | 14:45
لا يأتي الشتاء إلى قطاع غزة هذا العام بوصفه فصلًا من فصول السنة فحسب، بل يأتي محمّلًا بمخاوف آلاف الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتعيش في خيام مهترئة أو مبانٍ متضررة لا تقيها المطر والبرد. فبالنسبة إلى المواطن الغزي، لم تعد الاستعدادات للشتاء مسألة شراء ملابس دافئة أو توفير وسائل التدفئة، بل أصبحت معركة يومية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء، في ظل اقتصاد منهك
وقدرة شرائية شبه معدومة لدى قطاعات واسعة من السكان.وتكشف المؤشرات الإنسانية حجم التحدي المقبل. فقد حذرت اليونيسف في 17 سبتمبر 2026 من المخاطر التي تواجه الأطفال والأسر خلال الشتاء، مشيرة إلى أن أكثر من 1.76 مليون شخص في غزة، أي نحو 84% من السكان، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو مساكن متضررة وغير ملائمة. كما أطلقت المنظمة نداءً لتوفير 97.5 مليون دولار لحماية 540 ألف طفل وأسرهم في قطاع غزة والضفة الغربية من البرد والأمطار والفيضانات. وهذه الأرقام لا تعكس نقص المأوى وحده، بل تكشف اتساع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية والموارد المتاحة لتلبيتها.
لكن قراءة المشهد من زاويته الإنسانية فقط لا تكفي لفهم عمق الأزمة. فالمواطن الذي فقد منزله غالبًا ما فقد مصدر رزقه أيضًا، والعامل الذي تعطلت منشأته لا يملك دخلًا يتيح له شراء احتياجات أسرته، والتاجر الذي خسر متجره أو بضاعته لم يعد قادرًا على استعادة نشاطه من دون تمويل ومواد خام وسوق قادرة على الاستهلاك. وهكذا تتداخل أزمة السكن مع البطالة والفقر وارتفاع ا إلى عبء اقتصادي يفوق قدرة كثير من الأسر على الاحتمال.وتزداد خطورة هذه الأوضاع مع استمرار تراجع النشاط الاقتصادي، وتضرر المنشآت التجارية والصناعية والزراعية، وضعف حركة الأسواق. ففي الظروف الطبيعية، تستطيع الأسرة مواجهة النفقات الموسمية من دخلها أو مدخراتها، لكن في غزة تبدو هذه الخيارات محدودة للغاية. ومع فقدان العمل والمدخرات وتآكل القدرة الشرائية، تصبح البطانية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة ومواد إصلاح المأوى احتياجات يصعب توفيرها، حتى عندما تكون متواضعة الكلفة مقارنة بما تحتاجه الأسر في الظروف العادية.
ولا تتوقف المخاطر عند حدود الفقر المادي؛ فالأمطار والسيول قد تزيد من تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية في مواقع النزوح، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والمرضى. وقد حذرت الأمم المتحدة في أكتوبر من أن عددًا كبيرًا من مواقع النزوح يقع في مناطق معرضة للفيضانات، وأن نسبة محدودة فقط من احتياجات المأوى الشتوي قد جرى تأمينها. وهذا يعني أن التأخر في توفير المستلزمات اللازمة لا يفاقم المعاناة فحسب، بل يزيد كلفة الاستجابة لاحقًا، مع احتمال تضرر المساعدات والممتلكات واضطرار الأسر إلى النزوح مرة أخرى.ومن هنا، فإن التعامل مع الشتاء في غزة يجب ألا يقتصر على توزيع الطرود الإغاثية والخيام والملابس، على أهميتها وضرورتها. المطلوب استجابة متكاملة تبدأ بإدخال مواد الإيواء والعزل والإصلاح، وتوفير الأغطية والملابس ووسائل التدفئة الآمنة، وتحسين تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر هشاشة والمواقع الأكثر تعرضًا للفيضانات. كما ينبغي توفير التمويل اللازم للمنظمات الإنسانية حتى تتمكن من تنفيذ خططها في الوقت المناسب، بدلًا من انتظار تفاقم الأضرار ثم التعامل معها.وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الحماية الاجتماعية عن التعافي الاقتصادي. فالمساعدات النقدية، حيثما أمكن توفير السلع والخدمات، تمنح الأسر قدرة أكبر على تحديد احتياجاتها، وتساعد على تحريك الأسواق المحلية. كما أن تشغيل العمال المحليين في إصلاح المساكن والمرافق وشبكات المياه والصرف الصحي، وتوفير المواد اللازمة لهذه الأعمال، يمكن أن يحقق هدفين متلازمين: تحسين الظروف المعيشية وخلق فرص عمل مؤقتة تسهم في ضخ الدخل داخل الاقتصاد.وتبقى حرية إدخال السلع والمواد والمستلزمات الأساسية شرطًا جوهريًا لنجاح هذه الجهود. فلا يمكن إصلاح المساكن أو تعزيز الخيام أو حماية شبكات المياه والصرف الصحي من دون توافر المواد والأدوات اللازمة. كما أن استمرار القيود على دخول مستلزمات الإيواء والإعمار يرفع الكلفة ويؤخر الاستجابة، ويجعل الأسر أكثر اعتمادًا على حلول مؤقتة لا توفر الحماية المطلوبة. لذلك، فإن ضمان تدفق المساعدات والمواد التجارية ومستلزمات الإنتاج ليس إجراءً إغاثيًا عابرًا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية في آن واحد.إن اقتراب الشتاء يضع المجتمع الدولي والجهات المعنية أمام اختبار حقيقي: هل ستبقى الاستجابة محصورة في إدارة الاحتياجات اليومية، أم ستتحول إلى خطوات عملية تخفف معاناة السكان وتعيد لهم بعض القدرة على الاعتماد على أنفسهم؟ فالإغاثة ضرورية لإنقاذ الناس وحمايتهم، لكنها لا تعوض فقدان الدخل والعمل، كما أن توزيع المساعدات لا يمكن أن يكون بديلًا عن إعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة الخدمات والبنية التحتية.غزة لا تحتاج إلى مواجهة المطر والبرد وحدهما، بل تحتاج إلى الخروج من دائرة الفقر والبطالة والنزوح التي جعلت كل فصل جديد اختبارًا إضافيًا لقدرة الناس على الصمود. والشتاء المقبل ليس مجرد موسم طارئ، بل فرصة لقياس جدية الاستجابة الدولية، ومدى الانتقال من المساعدات المؤقتة إلى حماية الإنسان وسبل عيشه.فحين يفقد المواطن منزله وعمله معًا، لا تعود الأزمة أزمة مأوى فقط، بل تصبح أزمة اقتصاد وكرامة واستقرار اجتماعي. ومن هنا، فإن حماية سكان غزة من برد الشتاء تبدأ بتوفير المأوى، لكنها لا تكتمل إلا باستعادة مصادر الدخل والعمل، وتهيئة الظروف التي تسمح لهم بإعادة بناء حياتهم، لا البقاء أسرى المساعدات وانتظار موسم جديد من المعاناة.