مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الحياة في قبضة الصورة

الحياة في قبضة الصورة

تاريخ النشر: 2026-10-15 | 14:43

عائد زقوت
عائد زقوت

لم تعد الكاميرا رفيقًا للحظات الاستثنائية وحدها، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى كادت تسبق التجربة وتزاحمها.

نحتسي القهوة نصوّر، نرتشف الماء نصوّر، نُكرم الضيف نصوّر، نقف بجانب الأزهار نصوّر، نعتلي الأطلال نصوّر، نتسوّق نصوّر، نمارس الرياضة نصوّر، نرتدي أفخر الملابس نصوّر، نتبرع لمحتاج نصوّر، نتفقد مؤسسة رسمية نصوّر،  نزور أصدقاءنا نصوّر، نرقد على سرير المرض نصوّر، نسير في جنازة نصوّر، نواري الميت الثرى نصوّر، نطوف حول الكعبة نصوّر، حتى إننا قد نحرص على الصلاة في الصف الأول، ثم نصوّر.

ليست المسألة في انتشار التصوير بحد ذاته؛ فقد أتاحت التكنولوجيا حفظ الذكريات وتوثيق الوقائع ومشاركة التجارب. لكنّ السؤال يبدأ حين تتقدم الرغبة في توثيق اللحظة على الانغماس فيها، وحين يصبح حضور الآخرين في أذهاننا أكثر إلحاحًا من حضورنا في التجربة نفسها: هل نصوّر لأنّ اللحظة تستحق أن تُحفظ، أم لأنّ ظهورنا فيها يستحق أن يُشاهَد؟ وهل نعيش ما نرغب فيه، أم بدأنا نعيد تشكيل رغباتنا وَفق ما نتوقع أن يحظى بإعجاب الآخرين؟

ليست هذه أسئلة عن الكاميرا، بقدر ما هي أسئلة عن علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، وعن التحول الذي يصيب معنى الحياة حين تصبح قابلة للعرض والتقييم والمقارنة.
يضيء عالِم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم "رأس المال الرمزي"، الذي يشمل الهيبة والسمعة والمكانة التي يكتسبها الإنسان من اعتراف الآخرين به. 

ووَفق هذا المنظور، قد لا يكون التصوير مجرد وسيلة لتوثيق الحياة، بل أداة لتحويل تفاصيلها إلى رصيد من التقدير الاجتماعي؛ فالإعجاب والتفاعل يمنحان صاحب المنشور شعورًا بالمكانة، ويحفزانه على تكرار السلوك، حتى يصبح الظهور حاجة تتسلل إلى مختلف جوانب الحياة. 

وهنا تتجاوز المسألة حدود التصوير إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث حين لا يعود الإنسان يكتفي بقيمة ما يفعل، بل يحتاج إلى أن يرى الآخرين وهم يمنحونه هذه القيمة؟ وقتئذٍ لا تعود اللقطة مجرد تسجيل للحظة، بل مشهدًا يُعاد تشكيله طلبًا للتقدير؛ ولا يعود الإنسان منشغلًا بما يعيشه وحده، بل بما ستصنعه تجربته من صورة عنه في أعين الآخرين. وهكذا يتسلل السعي إلى الظهور من هامش الحياة إلى مركزها، فيؤثر لا في ما نعرضه فحسب، بل في ما نفعله ولماذا نفعله.

غير أنّ الحاجة إلى التقدير تجد في المنصات الرقمية بيئة تغذيها؛ فالمحتوى يدخل سباقًا على المشاهدة والتفاعل، ضمن اقتصاد يقوم على جذب الانتباه واستبقائه. وتتحول الإعجابات وأعداد المتابعين إلى مؤشرات ظاهرة على الحضور والمكانة، بما يدفع الإنسان أحيانًا إلى إعادة تشكيل لحظاته وَفق ما يُرجّح أن يجذب الجمهور. 

وهكذا لا تكتفي المنصات بعرض الحياة، بل تشارك في توجيه ما نختار عرضه منها، حتى يغدو طلب التقدير حاجة شخصية تغذيها منظومة تستفيد من استمرارها؛ وهو ما حذّر منه المُنظِّر الفرنسي جي ديبور في نقده لمجتمع الاستعراض، حيث تتراجع التجربة المعاشة أمام تمثيلها في الصور والمشاهد.

إذا كان رأس المال الرمزي، وَفق بورديو، يتعزز بما يحظى به الإنسان من اعتراف الآخرين، فإنّ الإخلاص يفتح أفقًا مختلفًا لتحديد قيمة الفعل؛ إذ يردّها إلى صدق المقصد والمعنى، بدلًا من رهنها بمقدار التقدير الذي يحصده صاحبها. 

وفي المسافة بين المعيارين يتكشف جوهر المسألة: فليس طلب الاعتراف في ذاته نقيضًا للإخلاص، ثم أنّ الظهور العلني لا ينفيه بالضرورة، لكن الخلل يبدأ حين يتحول الاعتراف من نتيجة محتملة للفعل إلى غاية توجهه. 

لحظتئذٍ لا يعود السؤال متعلقًا بالفعل وحده، بل بالمرجعية التي تحدد قيمته: أهي المعنى الذي يصدر عنه ويحققه، أم الصورة التي يصنعها لصاحبه في أعين الناس؟ ومن هنا يمكن فهم كيف تتسلل الحاجة إلى الظهور إلى مجالات تبدو متباعدة، فتُبدّل علاقتنا بأجسادنا وعباداتنا ومناسباتنا الاجتماعية.

في المفارقة الأولى، يتحول الجسد من حقيقة نعيشها إلى رأس مال رمزي نعرضه ونستثمر في صورته. لا يعود الاهتمام بالصحة أو المظهر غاية في ذاته، بل قد يصبح وسيلة لإثبات التفوق أو استدعاء الإعجاب. ويغدو الجسد، في بعض تجلياته الرقمية، مشروعًا دائمًا لتحسين الهيئة وتقديم الذات، حتى تتراجع العلاقة المباشرة به لحساب نظرة الآخرين إليه.

وفي المفارقة الثانية، يتقدم المظهر الديني على الأثر الأخلاقي الذي يُفترض أن تجسّده العبادة. فقد يتحول توثيق الصلاة أو الطواف أو التبرع إلى شهادة علنية على صلاح صاحبها، بينما يُفترض أن تُقاس قيمة الممارسة الدينية بما تتركه في النفس والسلوك، من صدق وأمانة ورحمة وعدل. 

وليس في توثيق العبادة أو نشر فعل الخير ما ينفي الإخلاص بالضرورة؛ إنما يبدأ الخلل حين يصبح إظهار الفعل أهم من مقصده، وحين يُستمد الشعور بقيمته من ثناء الناس بدلًا من أثره في النفس والحياة. فالدِّين، في جوهره، ليس مظهرًا يُعرض، بل قِيمًا تُعاش وتُترجم إلى سلوك.

أما المفارقة الثالثة، فتظهر في مناسبات الفرح، حين تتحول الأعراس أحيانًا من احتفاء بالعلاقة الإنسانية وبداية حياة مشتركة إلى منافسة في الاستعراض وإثبات المكانة. تتزاحم التفاصيل التي تصلح للنشر، وتُقاس المناسبة بما تثيره من إعجاب، وقد يصبح ما سيشاهده الآخرون أهم مما سيبقى في ذاكرة أصحاب المناسبة أنفسهم. 

ولا يقف الأمر عند المبالغة في المظاهر، بل قد تتحول العلاقة الإنسانية نفسها إلى محتوى، ويجد العروسان نفسيهما ممثلين في مشهد أُعدّ للتوثيق أكثر مما هما طرفان في لحظة تُعاش.

تلتقي هذه المفارقات عند نقطة واحدة: حين يصبح الظهور معيارًا للقيمة، لا يعود التصوير مجرد انعكاس للحياة، بل يدخل في تشكيلها وتوجيهها. وما يبدو في البداية اختيارًا شخصيًا بسيطًا قد يتحول، تحت ضغط المقارنة والمكافأة الاجتماعية والاقتصادية، إلى حاجة متجددة لإثبات الذات أمام جمهور لا ينتهي.

ومن هنا تتجاوز المسألة حدود الفرد إلى طبيعة العلاقة التي تنشأ بينه وبين مجتمعه. فالحياة المشتركة لا تقوم على ما نراه من بعضنا فحسب، بل على ما نطمئن إلى صدقه حتى حين لا نراه؛ إذ لا تكفي كثرة المشاهد لإنتاج الثقة، كما لا يضمن الحضور العلني تطابق القول والفعل. 

والثقة ليست مجرد شعور فردي، بل شرط لانتظام الحياة المشتركة وقدرتها على التعاون والاستقرار؛ وهو ما وعاه الفيلسوف الصيني كونفوشيوس مبكرًا حين جعل ثقة الناس أحد مقومات الحكم السليم. فالمجتمعات لا تستقيم بكثرة ما يتبادله أفرادها من أقوال وصور، بل بما يتوافر بينهم من اطمئنان إلى صدق القول والفعل.

وحين تتسع المسافة بين المظهر والسلوك، تصبح كثافة الظهور قابلة للتعايش مع تراجع الثقة. فقد نعرف عن الآخرين ما يريدون إظهاره، لكننا لا نعرف بالضرورة حقيقة ما وراءه؛ وقد تتكاثر المشاهد التي تقدم الإنسان في هيئة مثالية، من دون أن تكشف لنا كيف يتصرف حين لا يكون موضع مشاهدة أو تقييم. وهنا لا تعود المشكلة في نقص ما نراه، بل في الميل إلى التعامل معه كما لو كان بديلًا من المعرفة، أو دليلًا كافيًا على صدق أصحابه.

فالإخلاص الصامت أن نفعل الخير ابتغاء وجه الله، لا طلبًا لتصفيق الناس؛ وأن نعطي دون أن ننتظر ثناءً؛ وأن نصلي دون أن ننشغل بمن يرانا؛ وأن نذكر الله دون أن يكون همّنا ما نكسبه من وراء ذلك في أعين الآخرين. إنه استقامة باطن الفعل مع ظاهره، واستمداد قيمته من صدقه، لا من مقدار التقدير الذي يحصده. 

وبهذا لا يصبح الإخلاص دعوة إلى الانسحاب من المجتمع أو إخفاء كل عمل صالح، بل تحريرًا للنية من الارتهان لنظرة الآخرين، وإبقاءً للفعل متصلًا بمقصده حتى حين يكون معلنًا ومشهودًا. وقد يبدأ هذا التحرر بسؤال بسيط قبل كل صورة: هل ألتقط هذه اللحظة لأحفظها، أم لأعرضها؟

بهذا المعنى، تصبح ثورة الإخلاص انقلابًا على معيار القيمة نفسه: من التعلق بالتقدير الخارجي إلى الصدق الداخلي، ومن الحاجة الدائمة إلى إثبات الذات أمام الناس إلى الاطمئنان إلى معنى الفعل في ذاته. إنها ليست دعوة إلى إطفاء الكاميرات أو الانسحاب من الحياة العامة، بل إلى استعادة حريتنا في عيش اللحظة دون أن نكون مضطرين إلى تحويلها إلى مشهد، وفي فعل الخير حتى حين لا يراه أحد.

لقد بنت الحياة الحديثة عالَمًا تتكاثر فيه الصور والمشاهدات، حتى كادت المنصة تصبح مرآتنا التي نستمد منها شعورنا بقيمتنا. لكن ليس كل ما يستحق أن يُعاش يحتاج إلى أن يُعرض، ولا كل ما يستحق أن يُفعل يحتاج إلى أن يُروى؛ فبعض الأفعال تكتمل قيمتها في صمتها، وبعض المعاني يحفظها صدق أصحابها لا تصفيق الآخرين.

ولعل ثورة الإخلاص تبدأ حين نتحرر من أَسر نظرة الآخرين، ونستعيد قدرتنا على أن نفعل لأن الفعل يستحق، لا لأن العيون تراقب؛ وأن نكون في السر والعلن أقرب إلى حقيقتنا من صورتنا. حينها يستقيم التوازن بين المعنى والمبنى، والظاهر والباطن؛ وتعود الصورة أثرًا للحياة، لا بديلًا منها.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط