تاريخ النشر: 2026-09-14 | 19:00
تاريخ النشر: 2026-09-14 | 19:00
الرياض: تواجه السعودية مرحلة شديدة التعقيد مع تزامن الضغوط على مساراتها النفطية والأمنية، في ظل تصاعد نشاط جماعة الحوثي في البحر الأحمر، وهجمات بمسيّرات تُنسب إلى ميليشيات عراقية مدعومة من إيران، واستمرار تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز. ويستند هذا التقرير إلى مادة نشرتها وكالة أسوشيتد برس (AP) في 12 سبتمبر 2026، بقلم إيلينا بيكاتوروس وجوزيف كراوس، بمساهمة من عامر مادهاني، وأعيد نشرها عبر منصات دولية بينها بوليتيكو.
تكشف التطورات الأخيرة أن الرياض باتت تواجه تهديدات متزامنة تضيق معها الخيارات المتاحة. ففي البحر الأحمر، استأنف الحوثيون خلال الأشهر الأخيرة هجماتهم الواسعة، بعد سنوات من التهدئة النسبية، ووسعوا تحركاتهم باتجاه مناطق استراتيجية على الساحل اليمني، بما يعزز قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب. وبحسب التقرير، أدى التقدم الحوثي إلى زيادة المخاوف السعودية من تعرض أحد أهم مسارات تصدير النفط البديلة لمضيق هرمز إلى ضغوط جديدة.
وكانت السعودية قد نجحت جزئياً في تقليل آثار تعطيل مضيق هرمز عبر نقل النفط من الحقول الشرقية بواسطة خط أنابيب داخلي إلى ساحل البحر الأحمر، ومن هناك باتجاه الأسواق الأوروبية عبر مصر وقناة السويس، أو نحو آسيا عبر باب المندب والمحيط الهندي. إلا أن هذه الاستراتيجية أصبحت بدورها معرضة للخطر مع تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر.
وزاد الوضع تعقيداً مع إعلان الرياض إغلاق خط الأنابيب الذي يربط حقول النفط الشرقية بالساحل الغربي عقب هجمات بطائرات مسيّرة قال التقرير إنها انطلقت من العراق، حيث تنشط فصائل مسلحة مدعومة من إيران. كما نقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين قولهم إن الحوثيين قدموا دعماً لهذه الفصائل في تنفيذ بعض الهجمات، وهي معلومات يصعب التحقق منها بشكل مستقل.
وانعكست التطورات مباشرة على صادرات النفط السعودية إلى آسيا. ووفق بيانات مؤسسة Kpler لمراقبة التجارة العالمية، تراجعت الصادرات من نحو 3.4 ملايين برميل يومياً في يونيو إلى نحو 128 ألف برميل يومياً فقط في أغسطس، قبل أن تتعافى جزئياً إلى نحو 700 ألف برميل يومياً في سبتمبر. ويبرز هذا التراجع حجم تأثير الاضطرابات الأمنية في مسارات الشحن والتصدير السعودية.
المعضلة الرئيسية أمام الرياض تتمثل في أن الرد العسكري قد يحمل مخاطر لا تقل خطورة عن التريث. ويرى نيل كويليام، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، أن السعودية أمضت السنوات الماضية في محاولة تجاوز حرب اليمن والتركيز على التحول الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، لكن المكاسب الأخيرة للحوثيين تعيد الضغط عليها لاتخاذ موقف أكثر حزماً، في وقت تحمل فيه جميع الخيارات المطروحة تكاليف مرتفعة ونتائج غير مضمونة.
أما التصعيد العسكري الواسع لطرد الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، فقد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وفتح الباب أمام هجمات أشد على منشآت الطاقة والبنية التحتية السعودية. كما يشير التقرير إلى أن القدرات العسكرية الحوثية أصبحت أكثر تطوراً، بينما يرجح أن تكون مخزونات السعودية من صواريخ الاعتراض قد تعرضت لضغوط نتيجة الحرب الأميركية الإيرانية والتوترات الإقليمية المستمرة.
في المقابل، لا يبدو الخيار الدبلوماسي أقل تعقيداً. فالتفاوض مع الحوثيين أو طهران قد يفرض على السعودية تقديم تنازلات يمكن أن تعزز موقع الحوثيين السياسي والعسكري، في وقت لا تظهر فيه إيران استعداداً واضحاً لخفض التصعيد من دون مكاسب سياسية وأمنية مقابلة. وهكذا تجد الرياض نفسها بين خيارين يحمل كل منهما مخاطر استراتيجية طويلة الأمد.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً بسبب تراجع الثقة السعودية والخليجية في مستوى الالتزام الأمني الأميركي. ويستعيد التقرير تجربة عام 2019، عندما تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجوم أدى إلى تعطيل جزء كبير من الإنتاج مؤقتاً من دون رد عسكري أميركي مباشر، إضافة إلى قرار واشنطن المشاركة في الحرب ضد إيران عام 2026 من دون تشاور واسع مع حلفائها الخليجيين، وفق ما يورده التقرير.
كما أن الولايات المتحدة نفسها تواجه قيوداً عملياتية وسياسية. فالقوات الأميركية منتشرة بكثافة حول مضيق هرمز، بينما تعرضت مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية لضغوط كبيرة، في وقت أصبحت فيه حرب الشرق الأوسط موضوعاً حساساً في الداخل الأميركي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وهذا يقلل من احتمالات انخراط واشنطن في حملة عسكرية جديدة واسعة في اليمن.
وقد عكست تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا التردد. فعلى الرغم من قوله إن إيران ربما كانت وراء الهجوم على خط الأنابيب السعودي، فإنه تجنب إعطاء التزام واضح بالتدخل، واكتفى بالإشارة إلى علاقته الجيدة بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. كما أشار في مقابلة تلفزيونية إلى أن الاعتبارات الانتخابية قد تؤثر في قراراته بشأن توسيع الضغط العسكري على إيران.
ويرى السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني أن الرياض ستواجه صعوبة في تحقيق أهدافها إذا لم تحصل على دعم أميركي ثابت، كما حدث في مراحل سابقة من المواجهة مع الحوثيين، مشيراً إلى أن البيت الأبيض لا يبدو في المرحلة الحالية متحمساً لتوسيع نطاق الانخراط العسكري.
وتكشف التطورات في مجملها أن السعودية تواجه تحدياً استراتيجياً مزدوجاً: حماية صادراتها النفطية ومساراتها البحرية من جهة، وتجنب العودة إلى حرب إقليمية مفتوحة من جهة أخرى. وفي ظل ضعف الضمانات الأمنية الخارجية، وتنامي القدرات العسكرية لحلفاء إيران، تصبح قدرة الرياض على المناورة أكثر محدودية، ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم مزيج أدواتها الدفاعية والدبلوماسية، وتعزيز قدراتها الذاتية والبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية أكثر مرونة.