تاريخ النشر: 2026-10-29 | 14:09
تاريخ النشر: 2026-10-29 | 14:09
قراءة في المجتمع الإسرائيلي والسلوك الفلسطيني
في التعقيب على نتائج الانتخابات الإسرائيلية الخامسة والعشرين (2022) وكيفية التعاطي معها، كتبتُ عن آليات مواجهة حكومة اليمين المتطرف. وقد نوهت آنذاك إلى بعض الإشكاليات التي تتعلق بطرق تفكيرنا الرغبي، وبنظرتنا القاصرة للعلاقة بين الوسائل والغايات. حذرت يومها من الانفعال والارتجال، وتقديس أدوات المقاومة، والاستخفاف بالحكمة والتروي، والانغماس في الشعارات والتجاذبات الفصائلية، والتقليل من أهمية الشرعية الدولية. اليوم، وبعد 3 سنوات من حرب الإبادة وما أحدثته من تدمير واقتلاع ونزوح، تتيح نتائج الانتخابات الإسرائيلية الحالية فرصة لاختبار تلك الملاحظات، ليس فقط في فهم التحولات داخل إسرائيل، بل أيضا في مراجعة الطريقة التي نقرأ بها هذه التحولات ونستخلص منها أحكامنا ومواقفنا السياسية. فالانتخابات الإسرائيلية، عادة، لا تختبر قدرة المجتمع الإسرائيلي على إنتاج تحول سياسي فقط، بل تختبر أيضا قدرتنا على فهم هذا التحول من دون إسقاط رغباتنا ومخاوفنا. تظهر النتائج الأولية أن أيا من المعسكرين الرئيسيين، الائتلاف الحاكم بزعامة نتنياهو وتحالف المعارضة بقيادة آيزنكوت، لم يحصل على الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة. تفتح هذه النتيجة احتمالات متعددة، تشمل مفاوضات ائتلافية معقدة، أو حكومة موسعة، أو استمرار الانسداد السياسي والعودة إلى الانتخابات. لكنها لا تحسم وحدها هوية الحكومة المقبلة ولا طبيعة سياساتها.
الأهم أن الانتخابات تكشف انقساما إسرائيليا حقيقيا، لكنه لا يتمحور بالضرورة حول الصراع مع الفلسطينيين. ثمة خلافات حول نتنياهو، ومساءلته عن إخفاقات السابع من أكتوبر، واستقلال القضاء، وإعفاءات الحريديم من الخدمة العسكرية، وكلفة الحروب وعلاقة إسرائيل بحلفائها. وقد يتيح تراجع نفوذ اليمين المتطرف تغييرا في إدارة بعض الملفات، أو تقليص بعض مظاهر التطرف، أو تحسين صورة إسرائيل الدولية. غير أن هذه الخلافات لا تعني عودة التيار الصهيوني التقليدي المؤيد للتسوية، ولا نشوء إجماع بديل حول إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وتقدم آيزنكوت والمعارضة لا يمثل بالضرورة عودة إلى معسكر السلام. هناك قطاعات واسعة تفضل حماية المؤسسات الديمقراطية ومحاسبة القيادة، لكنها لا تؤيد بالقدر نفسه إقامة دولة فلسطينية. كما أن قوى المعارضة الرئيسية لا تقدم تصورا مشتركا واضحا لنهاية الصراع، وتعارض قيادات بارزة فيها قيام دولة فلسطينية في المدى المنظور.
هنا تكمن المفارقة التي ينبغي عدم إغفالها. يمكن أن تتراجع شرعية نتنياهو أو تتبدل تركيبة الحكم، بينما تستمر الاتجاهات التي رسختها عقود من الاستيطان والاحتلال وتحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. وقد أظهرت الحرب أن الخلافات الداخلية لا تحول بالضرورة دون التوافق على أولوية الأمن الإسرائيلي، وحرية استخدام القوة وشن الحروب، ورفض تقديم أفق سياسي ملزم؛ بل ربما كانت الخلافات الداخلية سببا لاستمرار الحرب. قد يمس التغيير المحتمل أسلوب إدارة الصراع وكلفته الدبلوماسية والعلاقة مع واشنطن والمؤسسات الدولية، من دون أن يمس جوهر سيطرة إسرائيل على الفلسطينيين واستمرار حربها عليهم بأشكال مختلفة. بالمقابل، لا يمكن استبعاد أن تنتج الأزمة الداخلية تحولات أعمق، لكن ذلك يظل احتمالا يحتاج إلى شواهد ومؤشرات، لا استنتاجا يمكن استخلاصه من نتائج الانتخابات وحدها.
كما أن ارتفاع التمثيل البرلماني العربي يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام اختبار يتعلق بحدود المواطنة والمشاركة. لكن زيادة المقاعد لا تعني تلقائيا القدرة على التأثير في قرارات الحرب أو الاحتلال، خصوصا مع تصاعد التحريض العنصري ضد فلسطينيي الداخل، ونزع الشرعية عن مؤسساتهم ووسمها بالإرهاب. وهكذا قد تتغير معادلات تشكيل الحكومة، فيما تبقى حدود الشراكة السياسية نفسها موضع نزاع، لتصل حد شن حرب حقيقية على فلسطينيي الداخل وإخراجهم من تحت مظلة النظام السياسي الإسرائيلي.
وماذا عن قدرتنا نحن على قراءة هذه التحولات؟ هنا يلتقي المشهد الإسرائيلي بالمأزق الفلسطيني الذي حذرت منه عام 2023. فالأزمة ليست في أن نتائج الانتخابات تحتمل أكثر من تفسير، بل في احتمال أن نتعامل معها وفق ما نرغب في حدوثه، لا وفق ما تكشفه الوقائع. قد نرى في تعثر نتنياهو بداية انهيار المشروع اليميني، أو نعتبر صعود المعارضة فرصة لعودة التسوية، أو نذهب إلى النقيض فنستنتج أن المجتمع الإسرائيلي كتلة واحدة لا تعرف التناقض ولا تقبل التحول. في الحالات الثلاث، تحل الأحكام المسبقة محل التحليل، ونخلط بين ما نتمناه وما نستطيع إثباته، وبين تغير موازين الحكم وتغير الموقف من حقوقنا الوطنية.
وهذا تحديدا ما يجعل الملاحظات التي كتبتها قبل الحرب جديرة بالمراجعة. فقد حذرت من انفصال الوسيلة عن الغاية، وغلبة الانفعال على التقدير، وتحصين خيارات المقاومة من النقد، واستبدال التحليل بالشعارات، فضلا عن الفصائلية التي تجعل كل طرف أسير روايته ومتهما للآخر. وقد كشفت حرب الإبادة خطورة هذه الإشكاليات حين اتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، وتعذر تحويل التضحيات الهائلة إلى مكاسب سياسية تتناسب معها. فالتضحيات لا تعفي القرارات من المساءلة، والصمود لا يعني أن كل الخيارات كانت صائبة، ومراجعة الوسائل لا تعني التخلي عن غايات التحرر.
وتتجلى المشكلة ذاتها في قراءتنا للخصم. فإذا كنا نميل إلى التعامل مع الصراع من خلال ثنائيات حادة، كالنصر والهزيمة، والقوة والضعف، والمقاومة والتسوية، فسوف يصعب علينا إدراك التحولات الجزئية والتناقضات الداخلية وحدودها. وقد نبالغ في تقدير أزمة الخصم حين توافق توقعاتنا، أو نقلل من شأنها حين لا تنتج تحولا فوريا في سياساته. وفي الحالتين نفقد القدرة على التمييز بين فرصة حقيقية، وتغير محدود في أسلوب إدارة الصراع، وتحول يمس أهدافه النهائية.
ولا تنفصل هذه المشكلة عن طبيعة نظامنا السياسي. فتبادل الاتهامات بين فتح وحماس، واكتفاء اليسار غالبا بنقد الآخرين من دون مراجعة كافية لمحدودية دوره، أضعف إمكانات التقييم المشترك والتعلم من التجربة. كما بقيت مفاهيم الوحدة والصمود والتحرر عرضة للاستهلاك الخطابي، بينما تراجعت قضايا الحريات والمساءلة والتفاوت الاجتماعي وحماية المجتمع. إن غياب إطار وطني قادر على مراجعة الخيارات وتقدير نتائجها يجعل قراءة المتغيرات الخارجية امتدادا للانقسام الداخلي، بدل أن تكون مدخلا لتطوير فهم مشترك لها.
تكشف الانتخابات الإسرائيلية، إذن، احتمال حدوث تغيير في القيادة أو في طريقة إدارة الصراع، لكنها لا تقدم دليلا كافيا على تحول في الموقف من الحقوق الفلسطينية. وفي المقابل، لا يجوز أن يقود استمرار الاتجاهات الإسرائيلية الرافضة للتسوية إلى إنكار أهمية التناقضات والفرص التي قد تتيحها. وبين هذين الاحتمالين يتحدد الاختبار الحقيقي للعقل السياسي الفلسطيني: قدرته على فهم الوقائع من دون إسقاط رغباته عليها، وعلى مراجعة تجربته من دون جلد للذات أو تبرئة لها.
وعلى ذلك، علينا ألا نستبق الوقائع بأحكام نهائية، وألا نربط خيارتنا بمصير نتنياهو أو بتركيبة الحكومة المقبلة وحدهما. علينا أن نميز بين السيناريوهات المحتملة ومؤشرات تحققها، وأن نراقب ما يتغير في السياسات والمواقف الفعلية، لا في الخطاب الانتخابي فقط، وأن تبقي تقديراتنا قابلة للمراجعة. فالفرصة لا يصنعها اضطراب الخصم وحده، وإنما القدرة على فهمه، وتقدير حدود التحول داخله، وتجنب تكرار أخطائنا في قراءة الواقع والتعامل معه.