تاريخ النشر: 2026-10-29 | 18:36
تاريخ النشر: 2026-10-29 | 18:36
لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في هوية الحزب الذي يتصدر النتائج فحسب، بل في قدرته على تحويل ما يحصل عليه من مقاعد إلى أغلبية برلمانية قادرة على تشكيل الحكومة. ففي نظام سياسي يقوم على التمثيل النسبي والتحالفات الحزبية، قد يتحول الفارق بين عدة مقاعد إلى عامل حاسم في تحديد هوية رئيس الحكومة، واتجاهات السياسة الإسرائيلية الداخلية والخارجية. وعندما تعجز الكتل المتنافسة عن بلوغ عتبة الأغلبية، تصبح الحسابات أكثر تعقيداً، وتبرز أسئلة حول حدود التحالفات الممكنة، ومن يملك القدرة على ترجيح كفة معسكر على آخر.
وفي ضوء المعطيات الأولية المتداولة بشأن الانتخابات الإسرائيلية، يبرز احتمال دخول المشهد السياسي في مأزق يتعلق بتشكيل الحكومة، خصوصاً إذا أخفقت بعض الأحزاب في تجاوز نسبة الحسم، وعجزت الكتل الرئيسية عن جمع العدد الكافي من المقاعد لتأمين أغلبية برلمانية. وفي مثل هذه الحالة، قد تجد الأحزاب الإسرائيلية نفسها أمام خيارات كانت تستبعدها أو تتحفظ عليها خلال الحملات الانتخابية، وفي مقدمتها إعادة النظر في العلاقة مع الأحزاب العربية.
من أزمة المقاعد إلى أزمة التحالفات
تتمثل إحدى المفارقات الأساسية في النظام السياسي الإسرائيلي في أن الحصول على عدد كبير من المقاعد لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم. فالأغلبية المطلوبة في الكنيست، المكون من 120 عضواً، تبلغ 61 مقعداً، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة مرتبطاً بقدرة الحزب المتصدر على بناء ائتلاف يضم أطرافاً تختلف أحياناً في أولوياتها السياسية والأيديولوجية.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تتقارب أحجام المعسكرات المتنافسة، أو تفشل أحزاب صغيرة في تجاوز نسبة الحسم، فتتوزع الأصوات بطريقة تؤثر في التوازن البرلماني العام. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بمن فاز انتخابياً فحسب، بل بمن يستطيع بناء تحالف قابل للاستمرار، وبأي ثمن سياسي يمكن تحقيق ذلك.
وفي هذا السياق، قد تواجه الأحزاب الإسرائيلية ثلاثة خيارات رئيسية: إعادة تركيب التحالفات داخل المعسكر الواحد، أو تشكيل حكومة وحدة تضم أطرافاً من معسكرات متنافسة، أو الاستعانة بدعم برلماني من خارج الائتلاف التقليدي. وإذا تعذرت هذه الخيارات، يصبح احتمال الذهاب إلى انتخابات جديدة قائماً.
لكن ما يجعل المشهد أكثر حساسية هو أن بعض هذه المسارات قد يفرض على الأحزاب الإسرائيلية مراجعة مواقفها المعلنة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية.
الأحزاب العربية: من التمثيل السياسي إلى التأثير في تشكيل الحكومة
لطالما واجه التمثيل السياسي العربي داخل إسرائيل معضلة تتعلق بالفجوة بين الحضور البرلماني والقدرة الفعلية على التأثير في مراكز صنع القرار. فوجود نواب عرب في الكنيست لا يعني تلقائياً مشاركتهم في صياغة السياسات الحكومية، كما أن ارتفاع عدد المقاعد لا يضمن تحويل هذا الحضور إلى شراكة سياسية مؤثرة.
غير أن حالات الانقسام داخل المعسكرات الصهيونية قد تفتح نافذة مختلفة أمام الأحزاب العربية، خصوصاً إذا أصبحت أصواتها ضرورية لتأمين أغلبية برلمانية أو منع معسكر من الوصول إلى الحكم.
وقد أثبتت تجربة عام 2021، حين شاركت القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس في الائتلاف الحكومي الذي أنهى حكم بنيامين نتنياهو آنذاك، أن التعامل مع الأحزاب العربية بوصفها طرفاً مؤثراً في معادلة تشكيل الحكومة ليس أمراً مستحيلاً. لكنها أظهرت أيضاً أن هذا النوع من التفاهمات يظل محكوماً بحسابات القوة والمصالح، وبالحدود التي ترسمها الأحزاب الإسرائيلية لنفسها في علاقتها بالمجتمع العربي والقضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن احتمال تواصل بعض الأحزاب الإسرائيلية مع القوائم العربية لا ينبغي قراءته بالضرورة بوصفه تحولاً في النظرة السياسية إلى المواطنين العرب، وإنما باعتباره استجابة محتملة لحسابات برلمانية تفرضها نتائج الانتخابات.
فالسياسة الإسرائيلية قد تسمح، عند الضرورة، بتجاوز بعض الخطوط الحمراء الانتخابية، لكنها لا تعني بالضرورة التخلي عن البنية الأيديولوجية التي تحكم مواقف الأحزاب تجاه قضايا المواطنة والمساواة والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هل يمكن أن تتشكل حكومة بدعم عربي؟
من الناحية السياسية، يمكن تصور أكثر من صيغة للتعامل مع القوائم العربية.
الصيغة الأولى تتمثل في دعم مرشح من المعارضة لتشكيل حكومة تستبعد نتنياهو، من دون مشاركة الأحزاب العربية فيها. وفي هذه الحالة، قد يجري التوصل إلى تفاهمات بشأن قضايا مدنية واجتماعية، مع بقاء الخلافات الجوهرية حول القضايا القومية والأمنية والسياسة تجاه الفلسطينيين.
أما الصيغة الثانية فتتمثل في تقديم دعم برلماني لحكومة أقلية، من خلال تفاهمات تسمح لها بالاستمرار أو تمرير بعض القرارات، من دون أن تكون الأحزاب العربية جزءاً من الائتلاف الحكومي. وتمنح هذه الصيغة القوائم العربية فرصة للتفاوض، لكنها تضعها أيضاً أمام تحدي ضمان تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
وتتمثل الصيغة الثالثة في تشكيل حكومة وحدة بين قوى من المعسكرين المتنافسين، بما يقلل الحاجة إلى الأصوات العربية، لكنه قد يفرض على الأحزاب المشاركة تقديم تنازلات كبيرة بشأن قضايا خلافية.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع أي من هذه السيناريوهات باعتباره نتيجة حتمية. فالمواقف المعلنة للأحزاب، والضغوط التي تمارسها قواعدها الانتخابية، والخلافات المتعلقة بالحرب والأمن والعلاقة مع الأحزاب الدينية، كلها عوامل قد تعرقل التوصل إلى تفاهمات حتى عندما تبدو ضرورية حسابياً.
بين إسقاط نتنياهو وتغيير السياسات
قد يبدو إسقاط نتنياهو هدفاً مشتركاً لبعض القوى المعارضة، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية. فالتغيير في هوية رئيس الحكومة لا يضمن وحده تغيير السياسات المتعلقة بالفلسطينيين، أو إنهاء التمييز في مجالات التخطيط والإسكان والخدمات، أو تبني مقاربة جديدة تجاه الحرب والاحتلال والاستيطان.
وهنا ينبغي التمييز بين تغيير الحكومة وتغيير التوجهات السياسية للدولة. فقد تنجح المعارضة في تشكيل ائتلاف جديد، لكنها قد تضم أطرافاً تتفق على استبعاد نتنياهو وتختلف في الوقت نفسه حول مستقبل الصراع، وحدود التسوية السياسية، ومكانة المواطنين العرب في النظام السياسي.
وعليه، فإن دخول الأحزاب العربية في مفاوضات لتشكيل الحكومة، إن حدث، لن يكون نجاحاً سياسياً في حد ذاته. فالمعيار الحقيقي هو طبيعة الاتفاق الذي يمكن أن تنتزعه، ومدى انعكاسه على حقوق المواطنين العرب ومصالحهم، وقدرته على إحداث تغيير ملموس في السياسات العامة.
ما الذي ينبغي أن تفعله القوائم العربية؟
إذا وجدت القوائم العربية نفسها أمام فرصة لترجيح كفة أحد المعسكرين، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تجنب تحويل أصواتها إلى مجرد أداة لإنقاذ حزب أو إيصال زعيم إلى رئاسة الحكومة.
ويتطلب ذلك تحديد أولويات سياسية واجتماعية واضحة، تشمل مكافحة الجريمة والعنف، وتطوير البنية التحتية، وتحسين خدمات التعليم والصحة، ومعالجة أزمات السكن والتخطيط، وضمان المساواة في توزيع الموارد والميزانيات. كما يتطلب الاتفاق على آليات واضحة لمتابعة تنفيذ التعهدات، بدلاً من الاكتفاء بوعود انتخابية عامة.
وفي الوقت نفسه، تواجه الأحزاب العربية سؤالاً سياسياً أوسع يتعلق بحدود المشاركة في نظام لا تزال فيه قضايا الهوية القومية والحقوق الجماعية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي موضع خلاف عميق. ولذلك، فإن أي تفاهم حكومي ينبغي أن يخضع لتقييم سياسي واقعي يوازن بين المكاسب الممكنة ومخاطر منح الشرعية لتحالف لا يقدم التزامات ملموسة.
ولا يعني ذلك أن المشاركة أو الدعم البرلماني خيار خاطئ بالضرورة، بل إن جدواهما تتوقف على الشروط التي تحكمهما، وعلى قدرة الأحزاب العربية على الحفاظ على استقلالية قرارها وتمثيل مصالح جمهورها.
الخلاصة: أزمة قد تعيد ترتيب الحسابات ولا تنهي الانقسام
تكشف أزمات تشكيل الحكومات في إسرائيل عن مفارقة سياسية متكررة: قد تكون الأحزاب العربية مستبعدة من دوائر القرار في الخطاب الانتخابي، لكنها تصبح موضع اهتمام عندما تحتاج الأحزاب الأخرى إلى أصوات إضافية لتأمين الأغلبية. وهذه المفارقة لا تعكس بالضرورة تحولاً في المواقف الأيديولوجية، بقدر ما تكشف عن قدرة الحسابات البرلمانية على فرض نقاشات تتجاوز بعض المحظورات السياسية المعلنة.
وإذا تأكد عجز المعسكرات المتنافسة عن تشكيل أغلبية مستقرة، فقد تجد الأحزاب الإسرائيلية نفسها أمام اختبار جديد: إما إعادة ترتيب تحالفاتها، أو التفاوض مع القوائم العربية، أو الذهاب إلى انتخابات أخرى لا تضمن نتائجها إنهاء الأزمة.
أما بالنسبة إلى الأحزاب العربية، فإن الفرصة الحقيقية لا تكمن في أن تصبح «بيضة القبان» في معادلة الحكم فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى نفوذ سياسي قابل للقياس والمحاسبة.
وفي المحصلة، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الأحزاب الإسرائيلية ستتواصل مع القوائم العربية، وإنما ما إذا كان هذا التواصل سيؤدي إلى تغيير ملموس في موازين التأثير والسياسات، أم سيظل مجرد مناورة تفرضها الضرورة الانتخابية، ثم تتراجع أهميتها بمجرد استقرار الحكومة.
فالأزمات البرلمانية قد تفتح أبواب التفاوض، لكنها لا تصنع وحدها تحولاً ديمقراطياً أو تغييراً في السياسات. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة، إن استمر المأزق، اختباراً حقيقياً لحدود البراغماتية الإسرائيلية، ولقدرة التمثيل العربي على الانتقال من الحضور العددي إلى التأثير السياسي الفعلي.