الحرب الإسرائيلية .. من الإجهاض إلى السرطان وملف السموم
محمد مصطفى شاهين
أمد/ في الحروب الكبرى لا يُقاس حجم الدمار بعدد البيوت التي انهارت ولا بعدد الشهداء الذين ارتقوا فحسب بل هناك نوع آخر من الحروب لا تظهر آثارها في بيانات العمليات العسكرية ولا في خرائط السيطرة الميدانية وإنما تُكتشف بعد سنوات حين يتحول الجنين إلى ضحية قبل أن يرى النور ويصبح الرحم نفسه ساحة من ساحات المعركة.
في غزة التي تعرضت لأحد أكثر أشكال القصف كثافة في التاريخ المعاصر بدأت تتشكل أسئلة ثقيلة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة نحو ملف أشد خطورة يتعلق بالأثر البيولوجي والبيئي للذخائر والمتفجرات التي استخدمت خلال الحرب وما خلفته من ملوثات في الهواء والمياه والتربة.
الأرقام التي تصدر عن وزارة الصحة في غزة ترسم صورة مقلقة لتراجع القدرة الإنجابية وتدهور صحة الأمهات والأجنة، فقد سجل القطاع خلال النصف الأول من عام 2025 نحو سبعة عشر ألف ولادة فقط بانخفاض يقارب 41 بالمئة مقارنة بالسنوات السابقة للحرب كما تم تسجيل نحو 2600 حالة إجهاض وارتفاع كبير في الولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد ووفاة مئات الأمهات والأطفال حديثي الولادة في ظروف صحية وإنسانية قاسية.
كما أظهرت بيانات لاحقة استمرار الانخفاض الحاد في أعداد المواليد حيث هبط عدد الولادات المسجلة في بعض أشهر عام 2026 بنسبة تقارب 65 بالمئة مقارنة بمعدلات سابقة.
ولا يمكن فصل هذه المؤشرات الصحية عن البيئة الكارثية التي خلفتها الحرب من حصار وتجويع ونزوح وانهيار شبه كامل للنظام الصحي إضافة إلى المخاوف المتزايدة بشأن تعرض السكان لمخلفات المتفجرات والمواد الكيميائية السامة، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحرب خلفت أضراراً بيئية واسعة النطاق وأدت إلى تلوث محتمل للتربة والمياه والهواء نتيجة ملايين الأطنان من الأنقاض والمخلفات الحربية للقصف وتدمير البنية التحتية البيئية.
حتى هذه اللحظة لا توجد نتائج علمية منشورة تثبت بصورة قاطعة وجود مواد مشعة داخل الذخائر المستخدمة في غزة أو تحدد مسؤوليتها المباشرة عن ارتفاع الإجهاض أو السرطان ، غير أن حجم الدمار البيئي ووجود مؤشرات صحية خطيرة يفرضان وفق المعايير الطبية والقانونية الدولية فتح تحقيق علمي مستقل وشامل تقوده جهات دولية متخصصة في السموم الإشعاعية والكيميائية والطب البيئي والطب الشرعي العسكري ارتفاع حالات السرطان والاجهاض مؤشر مرتفع على استخدام الجيش الإسرائيلي اسلحة غير تقليدية ضد المدنيين في غزة وفي محاولة لطمس الأدلة يقوم مقاولو الجيش بازالة الردم في المناطق التي تحت سيطرتهم و اعمالة ازالة ضخمة. محاولة بمحو ادلة الجريمة ودفن عدد من هذه المواد في صحراء النقب لاخفاءها عن أعين أي لجنة دولية مستقبليا تبحث في الجرائم الإسرائيلية ضد غزة.
إن السؤال المطروح اليوم ليس سؤالاً سياسياً فقط بل هو سؤال يتعلق بحق الإنسان في الحياة وفي مستقبل آمن للأجيال القادمة. فالقانون الدولي الإنساني لا يحاسب فقط على عدد الضحايا الآنيين بل ينظر كذلك إلى الآثار طويلة الأمد للأسلحة التي قد تترك أضراراً مستمرة على المدنيين والبيئة.
وفي هذا السياق يبرز مطلب تشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة تضم خبراء من منظمة الصحة العالمية والهيئات العلمية والبيئية المختصة لأخذ عينات من التربة والمياه والهواء وفحص بقايا الذخائر وتحليل وجود المعادن الثقيلة أو المركبات السامة أو أي آثار إشعاعية محتملة وتقييم انعكاساتها على الصحة العامة.
ويكتسب هذا المطلب أهمية أكبر في ظل الأزمة المتفاقمة لمرضى السرطان في قطاع غزة حيث تشير بيانات وزارة الصحة إلى وجود نحو 11ألف مريض سرطان يواجهون نقصاً حاداً في العلاج والأدوية والتشخيص نتيجة انهيار المنظومة الصحية والحصار المستمر.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب الحديثة أنها لا تنتهي عند لحظة وقف إطلاق النار. فالقذيفة التي تسقط اليوم قد تظل حاضرة في ذرة تراب وفي قطرة ماء وفي جسد طفل يولد بعد سنوات، وهنا تتحول المعركة من حرب على الأرض إلى حرب على الزمن ذاته ومن استهداف الجغرافيا إلى تهديد الديموغرافيا ومستقبل شعب بأكمله.
ولهذا فإن قضية صحة الأمهات والأجنة وانتشار الأمراض المزمنة والسرطانية في غزة يجب ألا تبقى مادة للجدل السياسي بل ملفاً علمياً وإنسانياً وقانونياً مفتوحاً أمام المجتمع الدولي، فالتاريخ يعلمنا أن أخطر آثار الحروب ليست دائماً تلك التي نراها تحت الأنقاض بل تلك التي تبقى مختبئة في الأجساد والذاكرة والبيئة لسنوات طويلة بعد صمت المدافع.
