لا فرق بين السياسة والدعارة... حين يُباع الوطن
سامي إبراهيم فودة
أمد/ ليس كل من يرتدي ربطة عنق رجلَ دولة، وليس كل من يرفع علم فلسطين يحملها في قلبه. فهناك من يقاتل من أجل الوطن، وهناك من يتاجر به، وهناك من يجعل من القضية شركةً استثمارية، ومن دماء الشهداء رأسَ مالٍ سياسي، ومن معاناة الناس سلّمًا يصعد به إلى السلطة.
حينها... لا يعود الفرق كبيرًا بين السياسة والدعارة؛ فكلتاهما تصبحان فعلًا واحدًا عندما يُعرض الشرف في سوق المصالح.
العاهرة قد تبيع جسدها، لكنها لا تدّعي أنها تُحرّر وطنًا، ولا تخطب في الناس عن الكرامة، ولا ترتدي ثوب البطولة.
أما العاهر السياسي، فيبيع وطنًا بأكمله، ويرهن القرار الوطني لأجنداته الشخصية، ثم يقف أمام الجماهير متوشحًا براية فلسطين، متحدثًا باسم الوطنية، بينما يغرس خنجر المصلحة في خاصرة الوطن.
الأولى تسقط نفسها... أما الثاني فيُسقط شعبًا، ويقتل حلم ملايين الفلسطينيين الذين انتظروا الحرية، فإذا بهم يُفاجؤون بأن قضيتهم أصبحت رهينة الصفقات، وأن الوطن الذي رُوي بدماء الشهداء بات يُدار بعقلية الغنيمة.
في فلسطين، لم يعد الاحتلال وحده هو الخطر، بل أصبح الخطر أيضًا في كل من يختطف القرار الوطني، ويقدّم الحزب على الوطن، والكرسي على الإنسان، والمصلحة الشخصية على دماء الأطفال وأنين الأمهات.
لقد أتخمونا بالشعارات حتى جاعت البطون، وأغرقونا بالخطب حتى عطشت الحقيقة، ووعدونا بالوحدة بينما كانوا يتقنون صناعة الانقسام، حتى صار الفلسطيني يُهزم مرتين؛ مرةً برصاص الاحتلال، ومرةً بخذلان من يفترض أنهم حراس القضية.
الوطن ليس شركةً خاصة، ولا مزرعةً حزبية، ولا إرثًا عائليًا. الوطن أمانة، ومن يخنه لا يغسله التاريخ، ولو غطّى نفسه بكل أعلام فلسطين.
سيكتب التاريخ أن أخطر الخونة ليسوا دائمًا أولئك الذين جاءوا من وراء الحدود، بل أولئك الذين خرجوا من بين أبناء الوطن، وحوّلوا القضية إلى وسيلة للنفوذ، والنضال إلى تجارة، والشعب إلى جمهورٍ يُستدعى عند الحاجة ويُنسى عند اقتسام المكاسب.
فحين يصبح الكذب سياسة، والانقسام إنجازًا، والصمت حكمة، وتُباع المبادئ في المزاد العلني... عندها لا يعود الفرق بين السياسة والدعارة، لأن كليهما يبدأ ببيع ما كان يجب أن يبقى مقدسًا.
ويبقى السؤال الذي سيظل يطارد كل مسؤول، وكل قائد، وكل صاحب قرار:
من يعيد للوطن قدسيته... قبل أن يبحث عن إعادة الشرف إلى السياسة؟
