بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
سامي إبراهيم فودة
أمد/ التقيت بصديق لم أره منذ سنوات طويلة. فرّقت بيننا ظروف الحياة، ثم جاءت الحرب لتفرّق ما تبقى من المدن والوجوه والذكريات.
جلسنا نتحدث طويلًا... عن البيوت التي تحولت إلى ركام، وعن الأحبة الذين رحلوا، وعن الأقارب الذين غابوا تحت الأنقاض، وعن النزوح الذي سلب الإنسان عنوانه وكرامته وطمأنينته.
حدثني عن منزله الذي قصف، وعن سيارة ابنه التي احترقت، وعن مرضه ومرض زوجته، وعن سنوات ثقيلة لا تشبه العمر، بل تشبه الانتظار.
كنت أظن أن هذه هي أكبر أوجاعه...
لكنني كنت مخطئًا.
وحين افترقنا، كنا نسير في شارع ترابي بين الخيام. فجأة سكت قليلًا، ثم قال بصوت مكسور، وكأن الكلمات تخرج من قلب مذبوح:
"يا صديقي... عندي أولاد شباب، لكن أكثر شيء قاتلني وذبحني هو بنتي... أنهت الثانوية العامة، وهي جميلة ومؤدبة، ومنذ ثلاث سنوات لم تغادر الخيمة إلا للضرورة. نحن نعيش في عزلة، لا أقارب يزوروننا، ولا أحد يعرفنا في مكان النزوح. بنات عمها تزوجن، وهي تراهن واحدة بعد أخرى، ولم يطرق بابنا أحد... إذا سمعت عن شاب يبحث عن بنت للزواج... بالله عليك دلّه على بنتي."
والله... لم أجد جوابًا.
شعرت أن الحرب لم تكتفِ بقتل الناس، بل صارت تقتل الأحلام بصمت.
هناك بنات فلسطينيات كثيرات لا ينقصهن جمال، ولا أخلاق، ولا علم، ولا أصل طيب... لكن الحرب حبستهن داخل الخيام، وقطعت صلة الأرحام، وفرّقت العائلات، وأغلقت أبواب التعارف، حتى أصبح الزواج نفسه ضحية من ضحايا الإبادة.
كم من أب ينام كل ليلة وقلبه يحترق لأنه يرى ابنته تكبر، ولا يستطيع أن يحقق لها أبسط حق من حقوق الحياة؟
كم من أم تخفي دموعها وهي ترى فستان العرس يتحول إلى حلم بعيد؟
وكم من فتاة تكتم وجعها حتى لا تزيد همّ والديها؟
في مجتمعنا كان الناس يقولون: "دور لبنتك قبل ما تدور لابنك."
لم يكن هذا المثل انتقاصًا من شأن الأبناء، بل لأنه يعرف مقدار الألم الذي يحمله الأب حين يخشى أن تبقى ابنته وحيدة بسبب ظروف لا يد لها فيها.
واليوم... لم تعد المشكلة في رفض أو قبول، ولا في المهور، ولا في التجهيزات.
المشكلة أن الحرب حبست المجتمع كله داخل خيام متباعدة، وقطعت الطرق بين الناس، وأغلقت أبواب البيوت، حتى أصبحت آلاف الفتيات مجهولات بالنسبة لمن يبحث عن زوجة صالحة، رغم أنهن يملكن كل صفات الخير.
هذه ليست قضية أسرة واحدة...
إنها قضية مجتمع كامل.
قضية جيل من البنات يدفع ثمن حرب لم يخترها.
جيل يخشى أن تسرق منه السنوات كما سرقت الحرب البيوت والأعمار.
إن إنقاذ المجتمع لا يكون بإعادة بناء الحجر فقط، بل بإعادة بناء العلاقات الإنسانية، ولمّ شمل العائلات، وفتح أبواب التواصل الشريف، وتيسير الزواج، والوقوف إلى جانب الأسر التي عزلتها الحرب عن محيطها.
لأن الخيمة لا ينبغي أن تتحول إلى سجن للأحلام.
ولأن بناتنا لا يستحققن أن يعاقبن مرتين...
مرة بالحرب...
ومرة بصمت المجتمع.
وما زالت كلمات ذلك الأب تطاردني حتى هذه اللحظة...
لم يكن يطلب مالًا، ولا بيتًا، ولا وظيفة.
كان يطلب أملًا...
وكان يبحث لابنته عن مستقبل، قبل أن تسرقه سنوات الحرب.
