لبنان.. ضحية «عضّ الأصابع» في الشرق الأوسط

تابعنا على:   15:36 2026-06-02

محمد مصطفى أبو شامة

أمد/ لم تكن عبارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام: «لبنان لن يكون صندوق بريد لرسائل إقليمية» مجرد توصيف سياسي عابر، بل بدت أقرب إلى اعتراف رسمي متأخر بأن لبنان أصبح أحد أكثر ميادين «عضّ الأصابع» اشتعالاً في الشرق الأوسط، وأن ما يجري على أرضه لم يعد مرتبطاً فقط بالصراع التقليدي بين إسرائيل و«حزب الله»، وإنما بات جزءاً من معركة أكبر تدور بين الولايات المتحدة وإيران، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع المفاوضات النووية، وتتحول فيها الجبهات الإقليمية إلى أوراق تفاوض مفتوحة.

فالتصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان، وامتداده بشكل غير مسبوق إلى مناطق شمال نهر الليطاني، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رد أمني محدود أو محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة، بل يبدو مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني المتعثر منذ أبريل الماضي، والذي دخل في دوائر متكررة من التفاؤل المؤقت ثم التعثر المقصود، دون الاقتراب فعلياً من اتفاق نهائي.

خلال الأيام الأخيرة، وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية بصورة لافتة، بعدما أعلنت مناطق واسعة جنوب نهر الزهراني «مناطق قتال»، ووجهت إنذارات بالإخلاء لعشرات القرى، بالتوازي مع غارات مكثفة استهدفت الجنوب والبقاع وحتى الضاحية الجنوبية لبيروت، في تطور أعاد إلى الأذهان أجواء اجتياح 1982. كما تحدثت تقارير إسرائيلية وغربية عن استعدادات لتوسيع العملية العسكرية شمال الليطاني، وسط حديث متزايد داخل إسرائيل عن ضرورة «إعادة تشكيل الواقع الأمني» في لبنان بصورة جذرية.

إن تجاوز الضربات الإسرائيلية الأخيرة إلى العمق اللبناني يحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى لـ«حزب الله»، والثانية لإيران مباشرة، بأن الضغط العسكري على أذرعها الإقليمية سيتصاعد كلما ارتفع سقف مطالبها في التفاوض مع واشنطن.

ومن هنا يمكن فهم توقيت تصريحات نواف سلام، لأن لبنان يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أنه يستخدم كـ«ورقة ضغط» في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وأن التصعيد الجاري ليس منفصلاً عن حسابات واشنطن وطهران. فالإدارة الأمريكية، رغم حديثها المستمر عن التهدئة، لم تمارس حتى اللحظة ضغطاً حقيقياً لوقف التصعيد الإسرائيلي، بينما تستفيد «تل أبيب» من هامش الحركة المفتوح لتكريس وقائع ميدانية جديدة على الأرض اللبنانية.

المشهد الأكثر تعقيداً أن لبنان يعيش هذه اللحظة وهو في أضعف حالاته السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضاً. فالدولة اللبنانية نفسها تبدو عاجزة عن فرض معادلة سيادية واضحة، بينما يظل ملف سلاح «حزب الله» معلقاً بين الداخل اللبناني والحسابات الإقليمية والدولية. والمفارقة أن إسرائيل لا تبدو متعجلة أصلاً لحسم هذا الملف، لأن بقاءه معلقاً يمنحها مبرراً دائماً لاستمرار العمليات العسكرية والضغوط السياسية.

والأكثر خطورة أن جزءاً معتبراً من الأزمة اللبنانية الحالية يرتبط بانقسام الداخل اللبناني نفسه. فغياب موقف وطني موحد تجاه الحرب والسلم، وتجاه العلاقة مع «حزب الله»، يجعل الدولة اللبنانية تتحرك وسط حقول ألغام سياسية وطائفية شديدة التعقيد.

لقد أثبتت التجربة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 أن إسرائيل لم تتوقف عن خرق التفاهمات، رغم تراجع وتيرة ردود «حزب الله» لفترات طويلة. وفي المقابل، جاءت عودة الحزب إلى عمليات «الإسناد» الأخيرة لإيران لتمنح إسرائيل ذريعة جديدة لتوسيع عملياتها وتقديمها باعتبارها جزءاً من «الدفاع الوقائي».

في الوقت نفسه، تبدو المنطقة كلها وكأنها تعيش مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات. فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية لا تدور فقط حول الملف النووي، بل حول شكل الشرق الأوسط نفسه، وحدود النفوذ الإيراني، وأدوار القوى الإقليمية المختلفة. ولذلك تتحول الجبهات المشتعلة، من لبنان إلى غزة والعراق، إلى أدوات ضغط متبادلة ضمن عملية تفاوض ممتدة ومعقدة.

وربما يكون أخطر ما في المشهد اللبناني الحالي هو أن احتمالات التصعيد الشامل لم تعد مستبعدة. فمع انتقال العمليات الإسرائيلية تدريجياً إلى ما بعد الليطاني، وارتفاع نبرة التهديدات الإسرائيلية، تتزايد المخاوف من سيناريو اجتياح أوسع أو فرض «حزام أمني» جديد داخل الأراضي اللبنانية، خاصة إذا وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود.

والمفارقة الأشد قسوة في المشهد أن هذا التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق يجري بالتوازي مع مسار تفاوضي مفتوح بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، تستضيف واشنطن جانباً من لقاءاته واتصالاته داخل أروقة «البنتاجون» والغرف الأمنية الأمريكية. فبينما تتزايد الغارات على الجنوب والبقاع والضاحية، تستمر جلسات البحث في ترتيبات أمنية وحدودية يفترض نظرياً أنها تستهدف تثبيت الاستقرار ومنع الانفجار. لكن ما يحدث عملياً يكشف أن إسرائيل تتعامل مع التفاوض باعتباره غطاءً لإدارة الضغط العسكري لا بديلاً عنه، وأنها تحاول تحسين شروطها على طاولة المفاوضات عبر النار لا عبر التفاهمات. وهنا تبدو الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة القسوة؛ تفاوضٌ لا يوقف القصف، وتصعيدٌ لا يلغي الحاجة إلى التفاوض، فيما يبقى لبنان عالقاً بين ضغوط الميدان وتعقيدات الإقليم وحسابات القوى الكبرى.

اخر الأخبار