تاريخ النشر: 2026-10-14 | 17:00
تاريخ النشر: 2026-10-14 | 17:00
واشنطن:نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالاً تحليلياً بقلم روبرت زوليك، الممثل التجاري الأمريكي الأسبق ورئيس البنك الدولي السابق، حذر فيه من التداعيات الاستراتيجية الخطيرة لسياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه كندا والمكسيك.
واستحضر زوليك مقولة الرئيس الأسبق رونالد ريغان عام 1979: «قد يكمن مفتاح أمننا المستقبلي في أن تصبح كندا والمكسيك أقوى بكثير مما هما عليه اليوم. حان الوقت لنتوقف عن معاملة أقرب جيراننا كأجانب»، مؤكدًا أن النهج الحالي للإدارة الأمريكية يصدّع أساس القوة العالمية للولايات المتحدة ويهدم ميزتها الجيوسياسية الكبرى.
ينطلق الكاتب من قاعدة أن "الجيوسياسة تبدأ بالجغرافيا"، مشيرًا إلى الميزة الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى:
الصين وروسيا: تحيط بهما 14 دولة، العديد منها غير ودودة أو تحمل ضغائن تاريخية، إضافة إلى مرور ملاحتهما البحرية عبر نقاط اختناق استراتيجية.
الهند: يحيط بها 6 دول من بينها خصم مسلح نوويًا، وتواجه تحديات مماثلة في الوصول إلى البحار المفتوحة.
الولايات المتحدة: يحدها جاران مسالمان فقط، وتتمتع بملاحة مفتوحة على محيطين شاسعين.
ويؤكد الكاتب أن الشراكة الوثيقة مع كندا والمكسيك تسهم في تعزيز الأمن الداخلي وجذب الاستثمارات ومواجهة الشبكات الإجرامية والهجرة غير الشرعية والتهديدات البيئية؛ فـ «أمريكا الشمالية الآمنة والمرنة هي نقطة انطلاق الاستراتيجية العالمية الأمريكية، والجيران الضعفاء يصدّرون المتاعب».
استعرض الكاتب التطور التاريخي للعلاقات الثلاثية عبر محطتين رئيسيتين:
رؤية ويليام سيوارد (القرن التاسع عشر): وزير الخارجية الأمريكي (1861–1869) الذي أدرك أن القوة تُبنى بالروابط الاقتصادية والاختيار الحر لا بالإكراه أو الغزو، عارض الحرب على المكسيك ومنع غزوها عام 1865، ورسخ مبدأ "الجاذبية الإمبراطورية".
القرن العشرين وشراكة الحرب الباردة: استقرار العلاقات مع المكسيك بعد اضطرابات الثورة، وتحول كندا إلى حليف استراتيجي موثوق شارك في تأسيس حلف الناتو وتطوير منظومات الدفاع والقارة، وتوقيع اتفاقيات تكامل تجاري كبرى مثل سوق السيارات عام 1965.
مثّلت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» — التي أُبرمت بدعم من رؤساء متعاقبين (مولروني، بوش الأب، كلينتون) — مصالحة تاريخية وحجر زاوية لاستراتيجية ما بعد الحرب الباردة، بعيداً عن المركزية الأوروبية الصارمة.
وقدم الكاتب بالأرقام حجم النمو الهائل في الشراكة الاقتصادية:
التجارة الأمريكية الكندية: ارتفعت من 169 مليار دولار (1988) إلى نحو 900 مليار دولار (2024).
التجارة الأمريكية المكسيكية: تجاوزت تريليون دولار.
الاستثمار المتبادل: قفز الاستثمار الأمريكي في كندا إلى 750 مليار دولار، وفي المكسيك إلى نحو 150 مليار دولار.
الاستقرار البشري: تحول صافي الهجرة المكسيكية إلى الولايات المتحدة إلى معدل صفري تقريبًا منذ عام 2010.
يحذر زوليك من أن فكرة تكامل أمريكا الشمالية باتت اليوم في خطر داهم، رغم أن اتفاقية (USMCA) لعام 2020 لا تنتهي رسمياً حتى عام 2036؛ حيث يبرز ذلك في عدة مؤشرات سلبية:
رفض الإدارة الأمريكية تمديد الاتفاقية حتى عام 2042 لخلق مساحة مرونة سياسية وتفضيل حالة عدم اليقين.
فرض رسوم جمركية مرتفعة خلال عامي 2025 و2026 على واردات كندية أساسية (السيارات، الصلب، الألمنيوم، الأخشاب، والأدوية) تحت ذريعة "الأمن القومي"، وهو تصنيف وصفه الكاتب بأنه صدم وأهان الكنديين بعد عقود من التحالف العسكري والاقتصادي.
الشروط المعقدة في الاتفاقية الحالية التي أضعفت تنافسية قطاع السيارات الإقليمي.
يؤكد الكاتب أن أمريكا الشمالية تمتلك مقومات هائلة تجعلها القوة الأبرز عالميًا، تشمل نصف مليار نسمة، وقوة عاملة ماهرة، واكتفاءً ذاتيًا في الطاقة، ورأس مال ضخمًا. ويدعو الإدارة الأمريكية إلى:
معالجة العلاقة مع كندا: الكف عن استعدائها، وتعزيز التعاون في أمن القطب الشمالي والأمن البحري والذكاء الاصطناعي وموارد الطاقة والمعادن.
دعم المكسيك: تقديم الدعم الاستخباري والتكنولوجي لمساعدتها في مكافحة الفساد ونفوذ العصابات الإجرامية وسيادة القانون.
يختتم روبرت زوليك بالقول إن القادة الأمريكيين التاريخيين أدركوا أن أمريكا الشمالية القوية تمثل مرساة استراتيجية في عالم مضطرب، معتبرًا أن نزوع ترامب نحو الهيمنة والنهج الاقتصادي التبادلي الصفري يضعه خارج دائرة هؤلاء القادة.
ويعرب عن أمله في أن تتيح الانتخابات الرئاسية المقبلة فرصة لإصلاح المسار وإحياء قوة الجذب الأمريكية ومعاملة الحلفاء والجيران باحترام لاستعادة الشراكة القارية البنّاءة.