مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية

تمرُّ المجتمعات في أوقات الحروب باختبارات قاسية لا تطال حجرها وشجرها فحسب، بل تضرب في سويداء نسيجها القيمي وسلوكها الجمعي. إنها حربٌ تستهدف الفرد في جوهره البشري، حيث تعرض لضغوط وصدمات فاقت قدرة الجبال الراسيات على الاحتمال، مما انعكس بشكل مباشر على أنماط سلوكه، وعلاقاته، وتفاعلاته الاجتماعية؛ وهو الأمر الذي خلق تحدياً مصيرياً يستوجب تكاتفاً جمعياً لمواجهته، لا سيما مع تنامي ظواهر العنف وتصدع الأركان الاجتماعية.
إن ما يكابده أهلنا في قطاع غزة اليوم من ظروف استثنائية وقاهرة قد تجاوز حدود الطاقة البشرية، وأحدث هزات عنيفة في بنية "الذات الفلسطينية". فالدمار المستشري، والفقدان الفاجع، والنزوح المتكرر، والعيش في مآوٍ تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية أو الكرامة الإنسانية، وسط انعدام الأمن الغذائي والصحي؛ كل ذلك لم يكن مجرد معاناة مادية عابرة، بل تحول إلى ضاغط نفسي هائل أدى إلى حالة من القلق المزمن، تسببت بدورها في تآكل آليات "ضبط النفس" واتساع رقعة العنف بمختلف أشكاله، حتى غدا ظاهرة اجتماعية مقلقة تطال الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال، وتنفجر أحياناً بين رفاق اللجوء والنزوح.
ولم يكن التكدس في جغرافيا ضيقة واختفاء الخصوصية في أماكن الإقامة القسرية إلا وقوداً لحالة من "الاحتقان الدائم" الذي ينفجر عند أبسط الاحتكاكات اليومية. وفي خضم هذه الفوضى، تراجعت القواعد الناظمة للعلاقات القائمة على المروءة والقيم الأصيلة، وحلت مكانها ردات فعل انفعالية تعكس حالة من "اللامعيارية" (الأنومي)؛ وهي حالة سوسيولوجية تشير إلى انهيار المنظومة القيمية التي تضبط سلوك الأفراد، مما يقود إلى التيه، والاغتراب، والانحراف نتيجة فقدان الشعور بالأمان والاستقرار.
إن هذا التشخيص الواقعي للحالة الغزاوية لا يترك مجالاً للشك في حتمية التدخل السريع، ويستدعي منا وقفة تمعن مسؤولة لتعزيز السلم الأهلي بمفهومه الشمولي؛ باعتباره الركيزة الأساسية للاستقرار والتعايش السلمي الذي يسوده الأمن، ويُنبذ فيه العنف عبر تغليب لغة الحوار وسلطة العرف والقانون. إن السلم الأهلي اليوم ليس مجرد ترف فكري أو شعار، بل هو "ترياق سلوكي" يحمي المجتمع من التآكل الداخلي والانهيار الأخلاقي، ويمهد الطريق لمرحلة التعافي والبناء.
وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية ذات البعد النفسي والاجتماعي، تحركت مؤسسات مهنية كنموذج حي للوفاء الوطني، منها المبادرة المشتركة بين نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في محافظات غزة، ومفوضية التوجيه المعنوي، بالتنسيق مع اللجان الشعبية، ورجال الإصلاح. حيث انطلقت هذه الجهود من المحافظة الوسطى لتمتد إلى مخيمات النزوح، عبر خطة منهجية تتضمن برامج للتوعية والتثقيف، وتقديم الدعم النفسي، وتفريغ الشحنات الانفعالية للمتضررين، والاستماع لمشاكلهم وعلاجها وفق أصول علمية ومهنية رصينة...
لقد مثلت هذه المبادرة خطوة عملية لإعادة الاعتبار لمنظومة القيم الإيجابية، وترميم ما أفسدته آلة الحرب في النفوس المكلومة، وهو ما يفرض علينا اليوم تبني نهج تصحيحي مستدام لتطوير خارطة طريق وطنية تعزز السلم الأهلي في كافة المحافظات، بسواعد كوادر مهنية متطوعة نذرت نفسها لخدمة المجتمع.
ولتحويل هذه الجهود إلى ثقافة مجتمعية عابرة للخيام والمنازل، نضع بين أيديكم المقترحات التالية:
أولاً: الامتداد الميداني؛ عبر توسيع نطاق حملات التوعية داخل مراكز النزوح لترسيخ قيم التسامح، واستيعاب الآخر، وإعادة إحياء مفاهيم "الجيرة" والتكافل التي كانت دوماً حصننا الحصين.
ثانياً: العدالة الاجتماعية كصمام أمان؛ إذ إن الشعور بالظلم في توزيع الموارد هو الوقود الأول للحقد والعنف. لذا، فإن تكريس مبادئ الشفافية والمساواة في المساعدات الإنسانية هو المدخل الحقيقي للسلم المجتمعي.
ثالثاً: التكامل المؤسساتي؛ فلا يمكن لجهة واحدة أن تحمل هذا العبء الثقيل. نحن بحاجة لتكامل أدوار النقابات، والجمعيات، والأحزاب، ورجال الإصلاح، ليكون الجميع "حراساً للنسيج المجتمعي".
رابعاً: مأسسة الوساطة الميدانية؛ من خلال تفعيل لجان "فض النزاعات السريعة" في التجمعات الكبرى، لحل المعضلات في مهدها قبل أن تتطور إلى صراعات دموية أو عائلية يصعب احتواؤها.
ختاماً: إن معركتنا اليوم لا تقتصر على البقاء الجسدي فحسب، بل هي معركة بقاء قيمي وأخلاقي. إن الحفاظ على السلم الأهلي هو الضمانة الوحيدة لنخرج من هذه المحنة مجتمعاً متماسكاً لا أشلاء متناثرة؛ فالبنيان الذي يُهدم يُبنى بمواد البناء، أما النسيج الاجتماعي إذا تمزق فإنه يحتاج إلى عقود من الصبر والترميم. لذا، فلنتشارك جميعاً لنزرع في خيامنا وبذور صبرنا قيماً تحمي الإنسان وتصون كرامة الوطن.

×
أخبار
نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط