تاريخ النشر: 2026-10-19 | 14:21
تاريخ النشر: 2026-10-19 | 14:21
ليسوا طلاب سلطة، ولا هواة مناصب، ولا باحثين عن صورة عابرة...
إنهم شباب غزة، الذين قرروا أن يتحدوا كل قوانين العجز.
من قلب مدينةٍ قيل عنها إنها انتهت، من بين خيام النزوح، وانقطاع الكهرباء، وشح الإمكانيات، خرج صوت مختلف، صوت لا يشبه صوت الحرب، بل يشبه صوت المستقبل. صوت اسمه: البرلمان الشبابي الذكي.
تيار وُلد من لا شيء، صنعه أبناء غزة بأيديهم العارية، تحت إدارة رجل آمن بأن المستحيل كلمة لا يعرفها الشباب، الدكتور عبدالكريم مصطفى.
الفكرة التي هزمت المستحيل
في الوقت الذي كان فيه العالم يظن أن شباب غزة لا يفكرون إلا كيف ينجون، كانوا هم يفكرون كيف يبنون.
لم يقولوا "أعطونا وظيفة"، بل قالوا "أعطونا أداة لنبني بها وطناً".
فكرة البرلمان بسيطة في ظاهرها، عبقرية في عمقها: أن نأخذ العمل البرلماني التقليدي، الذي تعثر منذ عام 2011 بفعل الانقسام والظروف، ونُعيد ولادته بلغة العصر: الذكاء الاصطناعي.
لم يعد البرلمان مجرد محاكاة للجلوس والتصويت، بل أصبح مختبراً للمستقبل. أصبح مكاناً يتعلم فيه الشاب كيف يكتب ورقة سياسات، كيف يصيغ تشريعاً، كيف يحلل البيانات، كيف يبني خدمة حكومية ذكية، وكيف يحول فكرته إلى منتج رقمي يُصدر للعالم.
لماذا هو "ذكي"؟
لأن الاسم وحده ثورة.
في عالم يتحدث عن الدولة الذكية والمدينة الذكية والاقتصاد الذكي، اختار شباب غزة أن يقولوا للعالم: لدينا برلمان شبابي ذكي. الاسم يساير العالم، بل ويسبقه. هو إعلان تحدٍ بأن غزة، التي حُوصرت جغرافياً، لن تُحاصر معرفياً.
كما قال الدكتور عبدالكريم مصطفى: "قد يجد نفسه غداً مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون". ولهذا كانت رؤيته أن لا ندخل الذكاء الاصطناعي من باب التقليد، بل من باب التخصص الذكي. أن نتميز في الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، في التعليم الرقمي، في الصحة الرقمية، في الأمن السيبراني. أن نحول الكفاءة الفلسطينية المحاصرة إلى قيمة عالمية.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي رفعه الشباب: أن يصنعوا من المعاناة ميزة تنافسية.
المستقبل لا ينتظر.. يصنعه الشباب
كل الأمم التي نهضت، نهضت بشبابها. لا يوجد وطن في التاريخ بناه الشيوخ وحدهم. الشيوخ يملكون الحكمة، لكن الشباب يملكون الجرأة.
والبرلمان الشبابي الذكي يملك الجرأة.
جرأة أن يحلم في وقت يُمنع فيه الحلم. جرأة أن يتعلم البرمجة وصوت الطائرات فوقه. جرأة أن يتحدث عن تصدير الخدمات الرقمية وهو لا يملك ثمن حزمة إنترنت.
هذه الجرأة وحدها تستحق أن ننحني لها احتراماً.
فإلى متى نحاربهم؟
وهنا بيت القصيد، وهنا جرح الحقيقة.
تحت الضغط، لا يحتاج الشباب إلى من يضغط عليهم أكثر. تحت الحصار، لا يحتاج الشباب إلى من يحاصر أفكارهم.
يحتاجون إلى يدٍ تمتد، لا إلى يدٍ تُقيّد. إلى من يصعد بهم إلى القمة، لا إلى من يخاف من صعودهم فيُسقطهم.
إن محاربة هذا التيار، أو تهميشه، أو محاولة طمسه، أو وضعه في أدراج المناكفات، هو جريمة بحق المستقبل. لأنكم لا تحاربون مجموعة شباب، أنتم تحاربون فكرة أن يكون لفلسطين مكان في المستقبل.
ماذا علينا أن نفعل؟
علينا أن نقف معهم. وبكل وضوح:
أولاً: أن نؤمن بهم. كما آمن بهم الدكتور عبدالكريم مصطفى حين قرر تدريب 10 آلاف شاب وشابة على مهارات المستقبل. الإيمان هو أول أشكال الدعم.
ثانياً: أن نحتضنهم لا أن نحتويهم. الاحتواء يعني وضعهم في إطار ضيق. الاحتضان يعني فتح كل الأبواب: المجلس الأعلى للشباب، البلديات، الجامعات، المؤسسات، الشركات.
ثالثاً: أن نستثمر فيهم. ليس بالمال فقط، بل بالمعرفة، بالمختبرات، بالفرص، بالثقة. أن نقول لهم: تعالوا شاركونا في صنع القرار، فأنتم أداة الحوار الحقيقية بيننا وبين المستقبل.
يا سادة...
التاريخ لا يرحم. بعد عشر سنوات، سيسألنا أبناؤنا: ماذا فعلتم حين قرر شباب غزة أن يصنعوا برلماناً ذكياً من لا شيء؟ هل دعمتموهم، أم تركتموهم وحدهم؟
البرلمان الشبابي الذكي ليس مشروعاً لشخص، ولا لجهة. هو مشروع وطن يريد أن يبقى حياً، ذكياً، وقوياً.
فلنقف معهم الآن. فالمستقبل لا يصنعه المتفرجون. يصنعه هؤلاء الشباب.