تاريخ النشر: 2026-11-06 | 12:42
تاريخ النشر: 2026-11-06 | 12:42
من خلال عملي القانوني مع الشركات والتجار، أرى جانبًا من الأزمة الاقتصادية الفلسطينية لا تنقله الأرقام والتقارير وحدها. أرى أصحاب شركات يتمسكون باستمرار أعمالهم كالقابض على الجمر، يحاولون المحافظة على ما بنوه خلال سنوات طويلة، في ظروف أصبح فيها مجرد إبقاء أبواب الشركة مفتوحة تحديًا يوميًا، وأصبح الصمود بالنسبة إلى بعضهم يعني تأجيل الخسارة، لا تحقيق الربح.
وما يقلقني أن بعض هذه الشركات لا تستمر لأنها بخير، بل لأنها لا تزال تقاوم الوصول إلى اللحظة التي تضطر فيها إلى إغلاق أبوابها.
هناك شركات لها مستحقات مالية كبيرة لدى الآخرين، لكنها تعجز عن تحصيلها في الوقت الذي تحتاج فيه إلى السيولة. وفي المقابل، لا تتوقف الرواتب ولا الإيجارات ولا المصاريف التشغيلية ولا استحقاقات الموردين والدائنين عن الحلول.
وهكذا يجد صاحب الشركة نفسه أمام معادلة قاسية: أموال لا يستطيع الوصول إليها، والتزامات لا يستطيع تأجيلها.
والأكثر إيلامًا أن بعض التجار باتوا يترددون في اتخاذ الإجراءات القانونية لتحصيل حقوقهم، ليس ضعفًا في موقفهم القانوني، وإنما لأنهم يدركون حجم الضائقة التي يمر بها من يتعاملون معهم. فالتاجر الذي يطالبه اليوم بمبلغ مستحق قد يكون هو نفسه صاحب شركة يحاول المحافظة على موظفيه، أو شخصًا استنزفت الأزمة قدرته على الوفاء.
لكن هذا التفهم الإنساني، على أهميته، لا يلغي الالتزامات المالية. فالتاجر الذي يصبر على مدينه يجد نفسه مطالبًا بسداد ديونه في مواعيدها، وقد يصبح عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته نتيجة تأخر الآخرين في الوفاء له.
وهنا تتحول الأزمة من تعثر فردي إلى سلسلة مترابطة من التعثرات، تنتقل من شركة إلى أخرى، ومن تاجر إلى مورد، ومن صاحب عمل إلى موظف، حتى تطال منشآت لم تكن تعاني أصلًا من ضعف في نشاطها.
وفي محاولة لتجنب الوصول إلى هذه المرحلة، يبدأ صاحب الشركة بتخفيض النفقات، ثم يتنازل عن أرباحه، ثم يستخدم مدخراته الخاصة لتغطية العجز. ومع استمرار الأزمة، قد يصل إلى رأس مال الشركة نفسه، فيستهلكه تدريجيًا حتى يتمكن من المحافظة على نشاطها وموظفيها والتزاماتها الأساسية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالشركة التي تستنزف رأس مالها لتبقى قائمة اليوم قد تفقد قدرتها على العمل غدًا. وحين تتحسن الظروف الاقتصادية، ربما لا تجد ما يكفيها لاستعادة نشاطها، رغم أنها كانت قبل الأزمة شركة ناجحة ومنتجة.
إن استمرار الشركة في فتح أبوابها لا يعني بالضرورة أنها ما زالت تملك مقومات الاستمرار.
وهذا ما أخشى أن يتحول إلى موت اقتصادي بطيء؛ شركات تبدو قائمة من الخارج، لكنها تفقد من الداخل، يومًا بعد يوم، قدرتها على البقاء.
وليس هذا القلق بعيدًا عن المؤشرات الاقتصادية الرسمية، وإن كانت الأرقام وحدها لا تكشف ما يجري داخل كل شركة. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، المنشورة في تشرين الأول 2026، أن إنتاج مؤسسات القطاع الخاص والأهلي في الضفة الغربية ارتفع بنسبة 13% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، لكنه بقي أقل بنسبة 0.6% من مستواه في عام 2023. والأكثر دلالة أن القيمة المضافة لهذه المؤسسات بقيت أقل بنسبة 5.2%، وعدد العاملين فيها أقل بنسبة 3.5%، مقارنة بعام 2023.
أما التقديرات الأولية للربع الثاني من عام 2026، فقد أظهرت تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بنسبة 4% مقارنة بالربع المماثل من العام السابق.
وفي جانب المعاملات التجارية، أعلنت سلطة النقد الفلسطينية أن قيمة الشيكات المعادة لعدم كفاية الرصيد خلال عام 2025 بلغت نحو 1.37 مليار دولار، مع انخفاض نسبة الإعادة مقارنة بعام 2024، وتسوية جزء من هذه الشيكات لاحقًا. وهذا الرقم لا يمثل بالضرورة ديونًا نهائية غير محصلة، لكنه يبين حجم المبالغ التي شهدت تعثرًا في الوفاء عند تقديم الشيكات للتحصيل.
هذه المؤشرات، على اختلاف طبيعتها، لا تثبت أن الشركات الفلسطينية تتجه جميعها نحو الانهيار، لكنها تكشف أن التحسن النسبي في بعض جوانب النشاط الاقتصادي لم يكن كافيًا لاستعادة مستويات ما قبل الأزمة.
وإذا كانت هذه هي الصورة التي تظهرها المؤشرات، فإن السؤال الذي يقلقني يتعلق بما لا تظهره: كم شركة استطاعت المحافظة على نشاطها من خلال استهلاك مدخرات أصحابها؟ وكم مشروعًا فقد جزءًا من رأس ماله أو كفاءاته أو قدرته على التوسع، دون أن يظهر ذلك في إحصاءات الشركات المغلقة؟
ولا يمكن فصل هذه المعاناة عن الظروف الاستثنائية التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني، وفي مقدمتها تداعيات الحرب والقيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتجارة والنشاط الاقتصادي، وما ترتب عليها من اضطراب في الأسواق وسلاسل التوريد وفرص العمل.
لكن الاعتراف بهذه الأسباب لا يعفينا من البحث عما يمكن معالجته داخليًا للتخفيف من آثارها.
فإلى جانب تعثر التحصيل وتراجع النشاط الاقتصادي، تواجه الشركات أعباء ضريبية ورسومًا والتزامات إدارية ومالية تستمر المطالبة بها وفق أحكامها القانونية، حتى عندما تتراجع قدرة المنشأة على توفير السيولة اللازمة للوفاء بها.
ولا أدعو هنا إلى إعفاء الشركات من واجباتها الضريبية، فالضرائب من مقومات المالية العامة، وحقوق الخزينة العامة لا يجوز تجاهلها. لكن الظروف الاستثنائية تستدعي التفكير في سياسات أكثر مرونة، تراعي واقع المنشآت الاقتصادية، وتميز بين من يتهرب من التزاماته ومن تعجز ظروفه المالية عن الوفاء بها في مواعيدها.
فما الجدوى الاقتصادية من التمسك بإجراءات تحصيل لا تراعي بصورة كافية ظروف التعثر الاستثنائي، إذا كان تطبيقها دون مرونة قد يدفع مشروعًا منتجًا إلى استنزاف ما تبقى من رأس ماله أو التوقف عن العمل؟
إن إعادة جدولة المتأخرات الضريبية وفق ضوابط عادلة، وتخفيف الغرامات حيث يسمح القانون، وتسهيل إجراءات التسوية والرديات المستحقة، ليست بالضرورة تنازلًا عن حقوق الخزينة، بل قد تكون وسيلة للمحافظة على المنشآت القادرة على الإنتاج، وبالتالي حماية مصادر الإيرادات العامة مستقبلًا.
ومن الخطأ كذلك أن نتعامل مع جميع حالات التعثر التجاري بالمنطق نفسه. فهناك فرق بين من يمتنع عن الوفاء رغم قدرته عليه، ومن يعجز عن الوفاء نتيجة ظروف اقتصادية استثنائية. وهناك فرق بين مشروع فقد جدواه الاقتصادية، وآخر لا يزال قادرًا على الإنتاج لكنه يواجه أزمة سيولة تهدد وجوده.
وهذا التمييز لا يعني إعفاء المدين من التزاماته أو الانتقاص من حقوق الدائنين والعمال، وإنما يعني أن معالجة التعثر تحتاج إلى فهم أسبابه وآثاره، والبحث عن حلول تحفظ الحقوق وتمنح المشروعات القابلة للاستمرار فرصة حقيقية للتعافي.
إن خسارة شركة فلسطينية لا تقاس فقط بقيمة رأس مالها أو موجوداتها. فخلف كل شركة سنوات من الخبرة، وعلاقات تجارية بُنيت بصعوبة، وموظفون اكتسبوا مهارات متخصصة، وأسر تعتمد على استمرار العمل، وثقة تراكمت في السوق على مدى سنوات طويلة.
هذه المقومات لا يمكن استعادتها بسهولة بعد ضياعها.
ولذلك أخشى أن تكون أخطر خسائر الاقتصاد الفلسطيني اليوم هي تلك التي لا تظهر في الميزانيات، ولا تدخل ضمن إحصاءات الشركات التي أغلقت أبوابها. إنها الخسائر التي تحدث داخل الشركات التي ما زالت تعمل، بينما يتراجع رأس مالها، وتتراكم التزاماتها، وتفقد تدريجيًا قدرتها على التعافي.
لقد اعتدنا الحديث عن صمود القطاع الخاص الفلسطيني، وأصبحنا نتعامل مع هذا الصمود وكأنه قدرة غير محدودة على تحمل الأزمات. لكن الصمود له كلفة، وهذه الكلفة يدفعها اليوم أصحاب أعمال وموظفون ودائنون وموردون، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.
ولا يمكن أن نستمر في مطالبة القطاع الخاص بالصمود دون أن نسأل: من يتحمل كلفة هذا الصمود؟ وإلى متى يستطيع أصحاب الشركات تمويل استمرار أعمالهم من مدخراتهم ورؤوس أموالهم؟
إن حماية الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة لا تعني فقط التفكير في مشروعات جديدة أو انتظار تحسن الظروف العامة، بل تبدأ أيضًا من المحافظة على الشركات القائمة التي ما زالت تمتلك القدرة على الإنتاج والعمل.
وهذا يتطلب تحركًا جادًا من الجهات الاقتصادية والمالية المعنية، يقوم على توفير تسهيلات مدروسة للمنشآت القابلة للاستمرار، وتشجيع إعادة جدولة الالتزامات والتسويات التجارية، وتطوير آليات معالجة التعثر، وتسريع تسوية المستحقات والرديات الواجبة قانونًا، ومراجعة الأعباء والإجراءات التي يمكن تخفيفها دون الإضرار بحقوق الآخرين أو بالمالية العامة.
كما يتطلب من المؤسسات المالية إدراك أن انهيار الشركات لا ينهي مشكلة الديون بالضرورة، بل قد يجعل تحصيلها أكثر صعوبة، ويضيف إلى الخسارة المالية خسارة منشآت وفرص عمل وعلاقات اقتصادية يصعب تعويضها.
ولا بد في المقابل من أن يتحمل أصحاب الأعمال مسؤوليتهم في الإدارة المالية الرشيدة، والشفافية مع الدائنين، وعدم التوسع في التزامات يعلمون أنهم غير قادرين على الوفاء بها. فحماية الشركات لا تعني حمايتها من نتائج أخطائها، وإنما عدم ترك المنشآت القابلة للحياة تواجه ظروفًا استثنائية دون أدوات مناسبة للمساعدة على تجاوزها.
وأعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: كم شركة فلسطينية أغلقت أبوابها؟
بل كم شركة ما زالت تفتح أبوابها كل صباح، بينما تفقد بصمت قدرتها على البقاء؟
إنني أخشى أن تنتهي هذه الأزمة يومًا، فنكتشف أننا لم نخسر الأموال وحدها، بل خسرنا الشركات التي كان يفترض أن تقود اقتصادنا نحو التعافي.
فلا تطلبوا من التاجر الفلسطيني أن يصمد وحده، ولا تنتظروا حتى تُغلق الشركات أبوابها كي ندرك حجم ما خسرناه.