مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة

الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة

تاريخ النشر: 2026-07-15 | 11:16

إن بناء الدول والمجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار والنهوض يتطلب، أول ما يتطلب، شجاعة في الطرح، وعقلانية في التقييم، وقدرة على الفصل الحاسم بين العاطفة الجياشة وبين المعايير الموضوعية الناظمة للعمل العام.

ومن أبرز القضايا التي تطفو على السطح وتستدعي نقاشًا هادئًا ورصينًا، مسألة تأهيل الأسرى المحررين لشغل المناصب والمسؤوليات العامة في الدولة، أو السلطة، أو المؤسسات الوطنية والتنظيمية.

إن مقاربة هذا الملف لا ينبغي أن تقع في فخ التعميم الجائر، صعودًا أو هبوطًا؛ فالإفراط في الوصم والتشكيك خطيئة وطنية، كما أن الاعتماد على العاطفة وحدها في منح المواقع والمسؤوليات يمثل قصورًا مؤسساتيًا لا يخدم الوطن ولا يحفظ مكانة المناضلين.

خطورة التعميم والوصم... تجربة الأسر ليست مبررًا للإقصاء

من المعيب وطنيًا وإنسانيًا أن تتحول الآثار النفسية والجسدية للاعتقال، وهي ضريبة شرف يدفعها المناضل دفاعًا عن وطنه، إلى ذريعة للطعن الجماعي في كفاءة الأسرى المحررين أو التشكيك في أهليتهم القيادية. فالقول إن كل من مرّ بتجربة الأسر غير مؤهل لتولي موقع حساس هو حكم ظالم يفتقر إلى العدالة والمنطق، ويقود إلى إقصاء شريحة واسعة من خيرة أبناء الشعب الذين دفعوا زهرة أعمارهم خلف القضبان.

كما أن إطلاق الأحكام المطلقة أو الادعاء بأن جميع الأسرى يفتقرون إلى الكفاءة، أو أن بعضهم قد يكون تعاون مع الاحتلال دون دليل قضائي أو وقائع ثابتة تخص كل حالة بعينها، يُعد ظلمًا وتعميمًا مرفوضًا، ويتنافى مع قيم العدالة وسيادة القانون. فالمسؤولية الجنائية والأخلاقية فردية، ولا يجوز أن تُحمَّل جماعة كاملة تبعات الشبهات أو الاتهامات غير المثبتة.

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن بين الأسرى المحررين علماء وأكاديميين ومفكرين وقادة ومسؤولين نجحوا في إدارة مؤسسات وطنية بكفاءة واقتدار، وكانت تجربة الأسر بالنسبة إليهم مدرسة في الصبر والانضباط والإرادة، لا سببًا في العجز أو الإخفاق.

واقع السجن و"صدمة الحرية"... احتضان وتمكين لا وصم أو تشكيك

لا يمكن إنكار أن السجن بيئة قاسية تهدف إلى عزل الإنسان وإضعافه نفسيًا واجتماعيًا. وعندما يخرج الأسير، ولا سيما من أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، فإنه يواجه ما يعرف علميًا بـ"صدمة الحرية"، والفجوة الزمنية والتكنولوجية والاجتماعية التي تفصل بين عالم السجن ومتغيرات الحياة خارج الأسوار.

وقد يمر بعض الأسرى خلال الأسابيع أو الأشهر الأولى بحالة من الارتباك أو الميل إلى العزلة أو صعوبة التأقلم مع الإيقاع السريع للحياة، إلا أن ذلك لا يعني مطلقًا فقدان الأهلية العقلية أو عدم القدرة على القيادة، بل هو أمر طبيعي يستوجب الاحتضان والدعم وإعادة الدمج.

ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي إنشاء برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل الإداري والمهني، بما يساعد الأسير المحرر على استعادة اندماجه الكامل في المجتمع ومواكبة المتغيرات الحديثة. فهذا الاحتضان ليس منّة من أحد، بل هو حق أصيل لمن قدّم سنوات عمره دفاعًا عن وطنه.

فخ السرعة في التكليف... التدرج حماية للمؤسسة وللأسير معًا

السؤال الحقيقي ليس: هل يُسمح للأسير المحرر بتولي المناصب العامة؟ فالإجابة الطبيعية هي نعم متى توفرت فيه شروط الكفاءة.

أما السؤال الذي ينبغي أن يُطرح فهو: هل من الحكمة أن يُكلَّف فور خروجه مباشرة بموقع شديد الحساسية دون فترة انتقالية تتيح له استيعاب التحولات السياسية والإدارية والتقنية التي

حدثت أثناء سنوات اعتقاله؟

إن الإدارة الرشيدة تقتضي التدرج، لا الاستعجال؛ لأن التسرع قد يظلم المؤسسة كما قد يظلم الأسير نفسه. ولذلك فإن منح فترة للتحديث والتأهيل والاطلاع على المستجدات يمثل استثمارًا في نجاحه، وليس انتقاصًا من مكانته أو تاريخه النضالي.

التقييم الفردي... لا الأحكام الجماعية

إن العدالة الحقيقية تقتضي أن يُنظر إلى كل أسير محرر بوصفه حالة مستقلة، لا باعتباره جزءًا من حكم جماعي. فمنهم من خرج أكثر صلابة وخبرة ووعيًا، ومنهم من يحتاج إلى وقت ليستعيد إيقاع الحياة الطبيعية، كما هو الحال مع أي إنسان مرّ بتجربة استثنائية.

ولهذا فإن معيار التكليف يجب أن يستند إلى تقييم مهني وموضوعي لكل شخص على حدة، بعيدًا عن التقديس المطلق أو التشكيك المطلق. فالمؤسسات لا تُدار بالعواطف، وإنما بالكفاءة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز، وتحمل المسؤولية.

معيار الكفاءة... الميزان العادل والمسطرة الواحدة

إن الدولة والمؤسسة التي تنشد النجاح لا بد أن تعتمد معايير واحدة على الجميع، دون تمييز بين أسير وغير أسير، وأهمها:

الكفاءة المهنية والخبرة المواكبة لمتطلبات العصر.

النزاهة والاستقامة والسلوك الوطني المسؤول.

القدرة الفعلية على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار والعمل تحت الضغط.

الالتزام بالقانون والأنظمة وروح العمل المؤسسي.

فبين الأسرى المحررين من أثبت نجاحًا باهرًا في القيادة والإدارة، كما أن بين غير الأسرى من أخفق في أداء مسؤولياته. ومن هنا، لا يجوز أن يكون الأسر سببًا للإقصاء، كما لا يجوز أن تتحول السيرة النضالية وحدها إلى مبرر كافٍ لتولي المواقع القيادية دون استيفاء شروط الكفاءة.

خاتمة... الوفاء الحقيقي للتضحيات

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المؤسسات هو أن تتحول السيرة النضالية إلى صك تعيين، أو أن تتحول تجربة الأسر إلى سبب للإقصاء. وكلا الأمرين ظلم؛ الأول ظلم للمؤسسة، والثاني ظلم للأسير. أما العدالة، فهي أن يبقى معيار الكفاءة هو السيد، وأن يكون الوطن هو الرابح الأول.

فالوفاء الحقيقي للأسرى المحررين لا يكون بالشعارات، ولا بالمجاملات، ولا بالأحكام المسبقة، وإنما بتمكينهم من أدوات النجاح، وإخضاعهم، كما يُخضع غيرهم، لمعايير الكفاءة والنزاهة والمسؤولية.

وحين نزن الرجال بميزان العقل والكفاءة والإنجاز، ونمنح كل ذي حق حقه بعيدًا عن التعميم والتمييز، نكون قد أسسنا لدولةٍ تحترم تضحيات أبنائها، وتصون مؤسساتها، وتجعل من العدالة والجدارة أساسًا في بناء المستقبل، ليبقى الوطن هو المستفيد الأول من عطاء جميع أبنائه، أسرى كانوا أم غير أسرى.

×
أخبار
ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية والسلطة الانتقالية الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط