مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

اقتصاد النجاة يعيد تشكيل الأسواق بغزة

اقتصاد النجاة يعيد تشكيل الأسواق بغزة

تاريخ النشر: 2026-05-14 | 04:33

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

لم تعد الأسواق في قطاع غزة تعمل وفق القواعد الاقتصادية التقليدية، فالحرب المستمرة والانهيار الحاد في السيولة النقدية وتعطل سلاسل التوريد، دفعت السكان إلى ابتكار أنماط جديدة من التبادل والتجارة والعيش.
من المقايضة إلى البيع الجزئي إلى الاعتماد شبه الكامل على التطبيقات البنكية، تشكل تدريجيا ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد النجاة”، وهو اقتصاد لا يقوم على النمو أو الاستثمار، بل على القدرة اليومية على البقاء.
في الظروف الطبيعية، تستند الأسواق إلى عناصر مستقرة نسبيا: النقد والبنوك وحركة البضائع والدخل المنتظم، لكن في غزة تآكلت هذه المرتكزات تباعا تحت ضغط الحرب والحصار، لتظهر بدائل فرضتها الضرورة أكثر مما صنعتها السياسات الاقتصادية. وتشير التقديرات إلى أن معدلات الفقر تجاوزت 90%، بينما وصلت البطالة إلى نحو 80%، مع انهيار واسع في مصادر الدخل وتوقف غالبية الأنشطة الاقتصادية.
فالمواطن الذي كان يشتري احتياجات أسرته دفعة واحدة، بات يشتري بالقطعة أو بالكيلو أو وفق “المبلغ المتوفر”، بينما اضطر التجار إلى إعادة تشكيل أنماط البيع والتعامل بما يتناسب مع واقع السيولة المحدودة والطلب المتراجع.
غير أن المشهد الاقتصادي في غزة لم يتشكل فقط بفعل الحرب، بل أيضا نتيجة صعود ما يمكن تسميتهم بـ”تجار الأزمات” أو “تجار الحروب”، الذين استفاد بعضهم من حالة الانهيار والفوضى لتحقيق أرباح استثنائية على حساب الاحتياجات الأساسية للسكان.
فمع ندرة السلع وضعف الرقابة وغياب المنافسة الحقيقية، ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية بأكثر من 300% مقارنة بما قبل الحرب، وتحولت مواد غذائية رئيسية إلى أدوات للاستغلال والمضاربة، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر أوضاعا معيشية كارثية.
وقد ساهمت القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال البضائع في تعميق هذا الواقع، إذ ارتبطت عمليات الاستيراد بمنح أذونات محدودة لعدد معين من التجار، ما أدى عمليا إلى تركيز القدرة التجارية بأيدي فئات محددة وخلق حالة من الاحتكار غير المباشر داخل السوق.
كما أن عدم التزام الاحتلال بإدخال الأعداد المتفق عليها من الشاحنات ضمن المراحل الإنسانية المختلفة والتي تنص على إدخال 600 شاحنة يوميا كحد أدنى، أدى إلى استمرار نقص المعروض من السلع، علما أن ما يدخل فعليا غالبا يقل كثيرا عن هذا الرقم، الأمر الذي أبقى الأسعار مرتفعة وأضعف قدرة السوق على الاستقرار.
وفي ظل هذه التعقيدات برز دور الوسطاء والسماسرة بصورة لافتة، سواء في عمليات إدخال البضائع أو توزيعها أو حتى في تحويل الأموال والحصول على السيولة النقدية.
ومع الوقت، تشكلت حلقات إضافية من الاستنزاف الاقتصادي يدفع ثمنها المواطن النهائي الذي يشتري السلعة بأسعار مضاعفة أو يتحمل عمولات مرتفعة للحصول على أمواله النقدية من التطبيقات البنكية، حيث وصلت عمولات “الكاش” في بعض الفترات إلى نحو 40% من قيمة المبلغ المسحوب.

أحد أبرز ملامح هذا الاقتصاد الجديد يتمثل في التحول التدريجي من “اقتصاد الاستهلاك” إلى “اقتصاد البقاء”، حيث لم يعد السؤال الأساسي لدى الأسر: ماذا نحتاج؟ بل أصبح: ما الذي نستطيع تأمينه اليوم؟.
هذا التحول انعكس بوضوح على طبيعة الأسواق، حيث تراجعت السلع الكمالية وحتى بعض الاحتياجات الأساسية لصالح الأولويات الأكثر إلحاحا مثل الغذاء والدواء والمياه.

كما أدت أزمة السيولة إلى خلق سوق نقدية موازية، باتت تستنزف جزءا كبيرا من دخول المواطنين، ما خلق واقعا اقتصاديا جديدا أصبحت فيه قيمة المال مرتبطة بقدرته على التحول إلى “كاش” أكثر من ارتباطها بقيمته الفعلية داخل الحسابات البنكية.
وفي قلب هذه الأزمة، تبدو الطبقة الوسطى من أكثر الفئات تضررا؛ فهي الفئة التي كانت تشكل تاريخيا ما يقارب 50-60% من البنية الاجتماعية في غزة، لكنها تعرضت خلال الحرب إلى تآكل واسع نتيجة استنزاف المدخرات وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع شرائح واسعة منها إلى الاقتراب من دائرة الفقر أو السقوط فيها فعليا.
أما محدودو الدخل، فقد أصبحوا عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، في حين دفعت البطالة الواسعة آلاف العاملين وأصحاب المهن الصغيرة إلى دائرة العوز، بعد فقدان مصادر رزقهم وتوقف الأنشطة الاقتصادية بشكل شبه كامل.
ومع انهيار فرص العمل التقليدية، برزت أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي المنزلي والصغير، كثير من الأسر اتجهت إلى إعداد الطعام المنزلي للبيع أو تصنيع احتياجات بسيطة أو تقديم خدمات محدودة داخل الأحياء ومراكز النزوح، في محاولة لتأمين حد أدنى من الدخل.
هذه الأنشطة رغم محدوديتها، شكلت شبكات اقتصادية بديلة ساعدت آلاف العائلات على الصمود وسط الانهيار الاقتصادي الواسع.
الحرب أيضا غيّرت سلوك المستهلك والتاجر معا، فالتاجر الذي كان يعتمد على دورة مالية مستقرة، أصبح أكثر حذرا في الشراء والتخزين، بينما بات المستهلك أكثر ميلا لتقليل الإنفاق وتأجيل الشراء والبحث عن البدائل الأرخص.
وحتى العلاقات الاجتماعية تأثرت اقتصاديا، إذ عادت بعض مظاهر المقايضة والتكافل العائلي لتحل محل المعاملات النقدية المباشرة في كثير من الحالات.
لكن الأخطر في “اقتصاد النجاة” أنه اقتصاد مؤقت بطبيعته لا ينتج تنمية حقيقية ولا يخلق استقرارا طويل الأمد، فهو اقتصاد يقوم على التكيف مع الأزمة، لا على تجاوزها.
ومع استمرار الحرب وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر والبطالة وغياب أي أفق اقتصادي واضح، تتعمق التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل القطاع بصورة قد تترك آثارا طويلة المدى على بنية المجتمع الفلسطيني ومستقبله الاقتصادي.
ورغم قسوة المشهد، يكشف الواقع في غزة عن قدرة استثنائية لدى الناس على إعادة تشكيل أدوات العيش تحت الضغط، فحين تنهار البنية الاقتصادية التقليدية لا تتوقف الحياة بالكامل، بل تظهر أنماط جديدة للبقاء يصنعها الناس بإمكانات محدودة وإرادة تحاول مقاومة الانهيار اليومي. وفي هذا تحديدا، يتجسد “اقتصاد النجاة” بوصفه انعكاسا حيا لقدرة المجتمع على التكيف، حتى في أكثر الظروف قسوة وتعقيدا

*محاضر في جامعة الأزهر بغزة
عضو الأمانة العامة لـ اتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط