هل هناك ترتيب لـ"الأولويات الوطنية" على طاولة الرئيس!
كتب حسن عصفور/ لا يحتاج الانسان الفلسطيني كثيرا ليقرر أن الواقع الراهن يشير الى "ملامح" دخول المشهد السياسي الوطني، "نكبته الثالثة"، والتي تهدد القضية الفلسطينية تهديدا حقيقيا، لتكمل عقد ما بدأت من نكبات بدأت الكبرى الأولى عام 1948، الى أن انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 برصاصة فتح وقيادة الزعيم الخالد ياسر عرفات..
ودخلت النكبة الكبرى الثانية، عندما اطلقت حركة حماس رصاتها على "الواقع الفلسطيني الكياني" وخطفت قطاع غزة، من خلال انقلاب اسود، عام 2007، لا يمكن لها أن تبرره مهما فعلت أدواتها الاعلامية، العربية والمحلية، وكان الظن أن "المشهد الانقلابي" سينتهي ليس عبر توقيع مسلسلات "اتفاقيات المصالحة" باجزائها المختلفة، ولكن بذهاب الرئيس محمود عباس في شهر نوفمبر 2012 الى نيويورك ليطالب التصويت بالجمعية العامة على قبول "دولة فلسطين" عضوا مراقبا، وكان له ذلك في تصويت تاريخي لتصبح فلسطين الدولة رقم 194..
وكان الاعتقاد، كل الاعتقاد، ووفقا لتصريحات الرئيس عباس وبعض من فريقه الخاص، ان دولة فلسطين ستصبح "حقيقة سياسية" وبديلا موضوعيا للسلطة الوطنية، لتنهي مرحلة انتقالية مع دولة الكيان الاحتلالي من جهة، وتقبر والى الأبد أي "فكرة - مشروع" انقسامي في جناحي دولة فلسطين..
وخاب الظن الوطني العام، وبدأت مرحلة الهروب من تحويل القرار الأممي الى "حقيقة سياسية"، تحت مبررات وذرائع هي الأكثر خجلا في "قاموس التبرير"، خاصة عندما تصل المفارقة أن نجد هبة برلمانية لشعوب ترفض الاحتلال وعنصريته، وتطالب دولها الاعتراف بدلوة فلسطين، فيما قادة دولة فلسطين يهربون من تكريسها فعلا واقعيا..بل أنهم كادوا أن ينهوا ذلك المكتسب التاريخي عندما تقدمت القيادة الرسمية لفلسطين بمشروعها المعيب وطنيا الى مجلس الأمن، نهاية عام 2014..
وفي ظل الارتباك الفلسطيني الرسمي، دخلت دولة الكيان في رحلة الفعل العلني لسحب البساط من "الشرعية الفلسطينية" دولة وتمثيلا، وبمساعدة دولا وأطرافا، عندما تقدمت بمشروع "مكتمل الأركان" لفصل قطاع غزة كليا عن الضفة الغربية، مشروع سياسي ارسلته تل ابيب الى قيادة حماس، تحت مسمى "التهدئة" طويلة الأجل، مقابل تكريس الحالة الانفصالية للقطاع، وبناء "منظومة كيانية خاصة"، لها ملامح سيادية ومعابر ذات بعد "استقلالي" ميناءا وربما مطارا وعلاقات اقتصادية خاصة بين "الحالة الكيانية الغزية" ودولة الكيان، بامتيازات متعددة الأغراض والأهداف..
ملامح النكبة الثالثة تطل برأسها، حيث تعمل اسرائيل، من خلال مقترحها المدعوم من بعض اوروبا وتركيا وقطر، على استغلال الحالة الانسانية لأهل القطاع، لفرض خطة فصل القطاع من خلال ممثل فلسطيني بديل للممثل التاريخي والوحيد للشعب الفلسطيني، مستغلة عطش حماس الاخوانية الى شبق التمثيل، خاصة وأن جماعتها الإخوانية تعيش حالة "موات سياسي" بعد افتضاح دورها التآمري لتمرير المخطط الأميركي التقسيمي للمنطقة العربية..
مشروع النكبة الثالثة الكبرى لم يعد سرا أو تحليلا، بل ملامح باتت أوضح كثيرا مما كان يعتقد، حتى وصل الأمر برئيس حركة حماس في قطاع غزة اعلان ذلك وعشية البحث في قيام وفد فصائلي لزيارة غزة، وكأنه يقول لهم ، ان حماس أصبحت هي صاحبة "القرار السياسي"، وأن مشروع "التهدئة" مع اسرائيل سيكون "عنوان الاتفاق السياسي" للمرحلة القادمة..
معارك كبرى يفترض أنها تواجه القيادة الرسمية، خاصة بعد فوز نتنياهو ومشروعه الذي استفز العالم الا القيادة الفلسطينية، التي يبدو أنها فقدت بوصلتها في تحديد "الأجندة الوطنية" وترتيبها، خاصة وأن الغضب بدا يتسلل الى بعض مناطق الضفة، وتحديدا مخيماتها، التي بدأت شكلا من التمرد العلني على سياسة "قيادة السلطة"، بعضها اعلان عبر مواجهة عسكرية، وأخرى عبر رفض مطلق لقائمة نجل الرئيس في انتخابات نادي مخيم الأمعري في رام الله، تصويت سياسي بكل وضوح، وهزيمة خاصة كان يجب قراءتها جيدا..
حتى الساعة من الصعب معرفة ما هو ترتيب الأولويات في "جدول الرئاسة - القيادة" وطنيا، وكيف يمكن خوض المعارك السياسية، بل هل هناك تحديد لطبيعتها أم انها تخضع لمزاج شخصي جدا، وتصفية حسابات وفقا للطلب الذاتي..
ودون البحث في الشخصي والعام، ففي زمن الحرب الكبرى على المشروع الوطني، نجد أن البعض يذهب لفتح معارك "واهية جدا"، فقط لترضية الحساب الانتقامي، بدلا من التركيز العام للتصدي للمؤامرة الكبرى التي تواجه القضية مشروعا وكيانا وأهدافا..
مطلوب من الرئيس عباس أولا ان يعيد ترتيب "جدول عمله الوطني"، وان يقلب الطاولة رأسا على عقب المشروع الانفصالي الجديد، ادواتا ومضمونا، وأن يقف بحسم أمام محاولات تبحث لإغراقه في قضايا خارج "الصندوق الوطني"..بمسميات مختلفة ومتعددة، من "تمرد على الشرعية في المخيمات" الى مطاردة لبعض الخصوم..قضايا يمكن بحثها في أي مرحلة الا هذه المرحلة التي تستوجب رؤية اعمق واشمل وأكثر مسؤولية مما هو قائم..فهل نرى "جدولا وطنيا" لحماية "بقايا المشروع الوطني" بعيدا عن "عقلية تصفية الحسابات الخاصة جدا"..الأمل لم ينته بعد!
ملاحظة: وكأن قيادة "حماس" استمدت قوة مضافة بعد زيارة السفير القطري لها في غزة..بدأت هي بوضع "شروط" استقبال وفد الفصائل المسافر من الضفة، منها بحث "التهدئة"..اليست تلك رسالة سياسية واضحة الدلالة لمن لا زال يملك بعضا من صواب!
تنويه خاص: ادارة اوباما لا تزال غير مستوعبة فوز نتنياهو وهزيمة اوباما وتحالفه..ستبقى تعمل علها تفوز ولو بطرق "غير مشروعة"..أميركا مكسورة الجناح..راقبوا كيف ستسير الأحوال في الكيان!
