مآسي غزة تمثل زلزالاً معرفياً وفلسفياً

تابعنا على:   13:20 2026-06-22

د. سلامه أبو زعيتر

أمد/ إن القارئ والمتابع للأحداث في قطاع غزة، وقدرة الناس الفائقة على الصمود، يقف صامتاً مذهولاً، وخاصة من سبق له دراسة النظريات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والقانون الدولي. وقد يمثل الواقع المعاش هناك واحدة من أكثر الحقائق عمقاً وأشدها إيلاماً في التاريخ الحديث؛ إذ إن ما يمر به الإنسان الغزاوي يتجاوز حدود "الأزمة الإنسانية" بمفهومها التقليدي، ليتحول إلى صدمة معرفية وفلسفية شاملة، زلزلت القواعد والركائز التي بُنيت عليها النظريات النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والقانونية الدولية على مدار قرون.
لقد تحول هذا الشريط الساحلي المحاصر، بفعل الحرب وتداعياتها وتعاظم المعاناة الأسطورية والظلم الممنهج، إلى بيئة بحثية و"مختبر إجباري" فريد للبقاء البشري. وأثبتت فيه الطبيعة البشرية بصلابتها، وإرادتها، وعمقها الإيماني، أنها قادرة على القفز فوق "النظريات والكتالوجات والأطر النمطية" الجاهزة التي صاغها علماء وفلاسفة قبعوا في مكاتبهم المريحة وجامعاتهم العريقة خلف البحار. إن غزة اليوم لا تواجه آلة الحرب فحسب، بل تواجه وتفكك المنظومة المعرفية الغربية المركزية التي طالما ادعت احتكار الفهم الإنساني. وسيتناول هذا المقال تفكيكاً لأبرز النظريات العالمية التي أسقطها واقع غزة وطبيعة مجتمعها، بهدف إعادة صياغتها أمام جدار واقعها المرير، وذلك على النحو التالي:
أولاً: الاستثناء الغزاوي وسقوط "حتمية ماسلو" للاحتياجات الإنسانية
في أدبيات علم النفس الكلاسيكي، تتربع نظرية عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (هرم الاحتياجات) كقاعدة ذهبية تُقرر أن الإنسان محكوم بتراتبية صارمة؛ فلا يمكنه التفكير في "الانتماء"، أو "تحقيق الذات"، أو "التمسك بالقيم العليا والجمال"، ما لم يتم أولاً إشباع احتياجاته البيولوجية الأساسية، وفي مقدمتها الأمان، والطعام، والمأوى.
وفي إسقاط هذه النظرية على الواقع الغزاوي، نجد أن حتمية ماسلو قد تهاوت تراتبيتها بشكل كامل. ففي ظل غياب تام ومطلق للأمان الوجودي، وتحت وطأة قصف لا يتوقف وتجويع ممنهج، يتسامى الإنسان الغزاوي فوق غريزة البقاء المجردة؛ فنرى الأم التي تفقد بيتها تصر على جمع كتب أطفالها لتعليمهم داخل خيمة ممزقة (تحقيق الذات والمعرفة)، ونرى الجائع الذي يتقاسم كسر الخبز الشحيحة مع غريب (الانتماء والإيثار)، ونرى الطبيب والمسعف والمهندس يرفضون النزوح متمسكين بواجبهم الأخلاقي رغم علمهم بالاستهداف المباشر (القيم العليا). لقد أثبت الإنسان في غزة أن "المعنى والقيمة" قد يكونان هما الوقود الأول للبقاء، وأن سد رمق الروح بالكرامة يسبق أحياناً سد رمق الجسد بالخبز.
ثانياً: انهيار أوهام "العقد الاجتماعي" وعَوَر القانون الدولي
تأسست الفلسفة السياسية الحديثة ونشوء الدول (منذ هوبز، ولوك، وروسو) على فكرة "العقد الاجتماعي"؛ وهي تخلي الأفراد عن جزء من حريتهم لصالح سلطة أو منظومة تحمي أرواحهم وحقوقهم. ومن هذا المنطلق تفرعت القوانين الدولية، ومواثيق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف لحماية المدنيين في الحروب.
أما في الواقع الغزاوي، فنلاحظ تناقضاً صارخاً وفاضحاً لهذه السردية؛ فالمنظومة الدولية التي صدّعت رؤوس البشرية بشعارات "حقوق الإنسان" وحق تقرير المصير، وقفت إما عاجزة تماماً أو متواطئة بشكل سافر أمام حرب إبادة علنية وموثقة تُبث على الهواء مباشرة بالصوت والصورة ضد المدنيين. لقد سقطت الأقنعة عن السردية الأخلاقية التي يدعيها "العالم المتحضر"، وثبت بالملموس أن القانون الدولي ليس مظلة تحمي الضعفاء، بل سيف يُشهر حدّه لحماية مصالح الأقوياء. وهذا يثبت أن مفهوم "المجتمع الدولي" قد مات سريرياً في خيام النازحين في غزة، وأُعيد تعريف النظام العالمي بوصفه نظاماً تحكمه القوة والنفوذ، لا الأخلاق والعدالة.
ثالثاً: ثورة على مفهوم "المرونة النفسية" وتجاوز الصدمة
تُعرّف النظريات النفسية "المرونة النفسية" بأنها قدرة الفرد على الارتداد والتعافي والعودة إلى النمط الطبيعي للحياة بعد التعرض لحدث صدمي كبير، متحدثةً عما يسمى بـ "النمو بعد الصدمة". أما في توصيف الواقع الغزاوي، فقد تعجز هذه المصطلحات عن استيعاب الحالة؛ لأنه ببساطة لا يوجد شيء اسمه "ما بعد" الصدمة في غزة. فالصدمة هناك ليست حدثاً عابراً في الجدول الزمني، بل هي "الزمن نفسه"، وواقع مستمر، متراكم، ومتجدد على مدار الساعة منذ عقود.
هنا، طوّر الإنسان الغزاوي نمطاً فريداً يمكن تسميته "المرونة الوجودية المتزامنة" بدلاً من المرونة التقليدية؛ إذ إنه يعيش الصدمة ويقاومها في آن واحد؛ يودع شهيده بدموع تحرق الصخر، وفي الدقيقة التالية ينفض الغبار عن ثيابه ليصنع من الركام مأوى، أو يبني خيمة، أو يوقد ناراً ليخبز لعائلته، أو حتى يعقد قرانه ليعلن استمرار الحياة. ومن هنا، يمكننا تعريف الصمود في غزة بأنه ليس "تعافياً" من الفاجعة بعد انتهائها، بل هو قدرة إعجازية على صياغة الحياة من داخل رحم الفاجعة وبشكل متزامن معها.
رابعاً: معضلة "التكيف المفارق" وسيكولوجية التناقض
يعيش الإنسان في غزة توليفة من التناقضات الشعورية والسلوكية الحادة التي تعجز القوالب المنطقية الجافة عن استيعابها أو تصنيفها، وهي آلية دفاعية عبقرية ومكلفة في آن واحد. فهو يجمع بين الأمل المطلق واليأس الواعي؛ فتارة تجده يخطط للمستقبل، يزرع شتلة ورد فوق أنقاض منزله المدمر، ويواظب على قراءة كتابه، وفي الوقت ذاته، يدرك بيقين تام وهدوء غريب أنه قد يكون الشهيد التالي في غضون ثوانٍ جراء الاستهداف العشوائي. وبتعبير أدق: إنه يعانق حبه للحياة بقوة وهو يرتدي كفنه.
لذا، تلاحظه يمزج بين البكاء والضحك في مشهد يعز نظيره؛ يواسي جاره المكلوم بكلمات الصبر والاحتساب، ثم يلتفت فوراً ليطلق نكتة أو يبتكر لعبة ليدخل البهجة على قلوب الأطفال المحاصرين بالرعب، أو ينتقل لتهنئة جاره الآخر بمناسبة مفرحة تعبيراً عن التضامن معه. وأقل ما يمكننا به توصيف هذا السلوك أنه ليس "انفصاماً" أو اضطراباً نفسياً، بل هو أعلى درجات الذكاء الوجودي؛ آلية عبقرية طوّرها العقل الجمعي الغزاوي لخلق حالة من الاتزان وحماية الوعي من الجنون، وللحفاظ على المسافة الفاصلة بين الآدمية والانهيار تحت وطأة ضغط لا تطيقه الجبال.
ختاماً:
إن خلاصة القول تفيد بأن العجز والقصور ليس في قدرة الإنسان الغزاوي على الصمود والثبات، بل العجز كامن في "أدواتنا المعرفية وقواميسنا الفكرية" التي وقفت قاصرة عن فك شفرة هذا الصمود الأسطوري، وهو ما يفرض إعادة صياغة الفكر الإنساني. فغزة اليوم لم تعد بحاجة إلى خبراء ومحللين يأتون إليها ليطبقوا عليها نظرياتهم المغلقة، بل إن الفكر الإنساني العالمي هو الذي يحتاج اليوم إلى "ثورة معرفية شاملة" تُكتب فصولها بدماء أهل غزة وتضحياتهم. ثورة تعيد بالكامل تعريف المصطلحات المصابة بالعمى الأخلاقي؛ كمفهوم "الإنسانية" بعيداً عن ازدواجية المعايير العرقية، و"العدالة" بعيداً عن أروقة المؤسسات الدولية المشلولة، و"الإرادة البشرية" بوصفها القوة الوحيدة القادرة على قهر السجن والجلاد مهما بلغت قوته.
إن ما يمر به الإنسان في غزة هو تجاوز مشهود لكل الحدود البشرية المعلومة، وهو في ذات الوقت صرخة وجودية مدوية في وجه عالم يدعي المدنية والديمقراطية، بينما يمارس بصمته الجبان وتواطئه أبشع صور الهمجية والبربرية. فغزة اليوم هي مرآة العالم، فمن أراد أن يرى حقيقة الأخلاق البشرية المعاصرة، فلينظر في مرآة غزة.

اخر الأخبار