هل كان اتفاق شرم الشيخ نهاية الحرب أم بداية التحول في غزة؟
د. حكمت نبيل المصري
أمد/ منذ الإعلان عن تفاهمات شرم الشيخ المتعلقة بإنهاء الحرب في غزة، انقسمت القراءات بين من اعتبرها مخرجاً سياسياً ضرورياً لوقف النزيف الإنساني، وبين من رأى فيها تحولاً استراتيجياً يفرض واقعاً جديداً على القطاع ويعيد تشكيل معادلات القوة فيه. وبين الموقفين، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة تستند إلى الوقائع والنصوص أكثر من الشعارات والانفعالات.
المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود اتفاق أو تفاهمات لإنهاء الحرب، فالحروب تنتهي عادة عبر تسويات سياسية وأمنية، بل في طبيعة الالتزامات التي تتضمنها هذه التسويات والنتائج التي تترتب عليها. فكل اتفاق يجب أن يُقاس بميزان المكاسب والخسائر، وبقدرته على تحقيق الأهداف التي رُفعت منذ بداية الصراع.
عند قراءة البنود المتداولة للاتفاق، يتضح أن جوهره يقوم على معادلة أساسية: وقف الحرب مقابل إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في قطاع غزة. وتتضمن هذه المعادلة ترتيبات تتعلق بالسلاح، ووجود قوة دولية، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وإعادة إعمار واسعة النطاق بإشراف دولي وإقليمي. ومن هنا بدأ الجدل الحقيقي.
أنصار الاتفاق يرون أن أي تسوية واقعية بعد حرب مدمرة بهذا الحجم لا بد أن تتضمن ترتيبات أمنية جديدة، وأن الأولوية يجب أن تكون لوقف القتل والدمار وفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية. ووفق هذا المنطق، فإن الحفاظ على المجتمع الفلسطيني وقدرته على البقاء والتعافي يمثل هدفاً لا يقل أهمية عن أي اعتبار آخر.
في المقابل، يرى المنتقدون أن جوهر الصراع لم يكن إنسانياً فقط، بل سياسياً وأمنياً أيضاً، وأن القبول بترتيبات تمس البنية العسكرية للمقاومة يعني عملياً الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة إدارة الواقع الجديد وفق شروط فرضتها موازين القوى الناتجة عن الحرب. ومن هذا المنظور، فإن السؤال لا يتعلق بوقف الحرب بحد ذاته، بل بالثمن السياسي والاستراتيجي الذي دُفع مقابل ذلك.
الأكثر إثارة للجدل هو أن بعض البنود تتيح تنفيذ أجزاء من الخطة حتى في حال وجود اعتراض أو تأخير من الأطراف المعنية. وهذا يعني أن الاتفاق لا يعتمد بالكامل على القبول الطوعي اللاحق، بل يتضمن آليات تسمح باستمرار تطبيقه وفق ترتيبات دولية وإقليمية معينة. هنا تظهر مخاوف من أن يتحول الواقع الميداني إلى أداة ضغط تفرض مساراً سياسياً يصعب التراجع عنه مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، يصبح النقاش حول توصيف الاتفاق أكثر أهمية من السجال السياسي المعتاد. فالبعض يصفه بأنه اتفاق استسلام، بينما يراه آخرون تسوية اضطرارية فرضتها ظروف الحرب. لكن بعيداً عن المصطلحات، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الاتفاق يبقى في الإجابة عن سؤال بسيط: هل حقق الأهداف التي أعلنتها الأطراف المختلفة منذ بداية الحرب، أم أنه فرض أولويات جديدة تختلف عما كان مطروحاً سابقاً؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن الاتفاقات لا تُقاس بلحظة توقيعها فقط، بل بالواقع الذي تنتجه بعد سنوات. لذلك فإن الحكم النهائي على تفاهمات شرم الشيخ لن يصدر من الخطابات الإعلامية ولا من البيانات السياسية، بل من شكل غزة الذي سيظهر بعد انتهاء الحرب: من يحكمها؟ من يدير أمنها؟ كيف ستتم إعادة إعمارها؟ وما مقدار الاستقلالية التي ستملكها في اتخاذ قراراتها المستقبلية؟
حتى ذلك الوقت، سيبقى اتفاق شرم الشيخ نقطة فاصلة في تاريخ الصراع؛ ليس لأنه أنهى جولة من الحرب فقط، بل لأنه قد يكون بداية مرحلة جديدة تعيد رسم التوازنات السياسية والأمنية في غزة والمنطقة بأكملها.
