غزة... معضلة الحياة لا معضلة السلاح
حسن لافي
أمد/ منذ الإعلان عن التفاهمات السياسية الخاصة بوقف الحرب وإعادة إعمار غزة، يُختزل النقاش حول غزة في ملف واحد: سلاح الفصائل. وكأن مستقبل القطاع، وإعادة إعماره، وإنهاء الحرب، وإدارة شؤونه، كلها قضايا تدور حول هذا العنوان وحده. غير أن اختزال المشهد في هذا الملف يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أي نقاش حول السلاح يبقى ناقصاً في ظل غياب وتعطيل المسار السياسي والإداري والأمني الذي يفترض أن يقود غزة إلى اليوم التالي للحرب.
فالسلاح لا يُسلَّم إلى فراغ، ولا يمكن لأي قوة أن تتخلى عن أوراقها الأخيرة قبل معرفة الجهة التي ستتولى إدارة المرحلة التالية. لذلك كان السؤال الطبيعي منذ البداية: من هي الجهة التي ستستلم غزة؟ فإذا كانت هناك لجنة وطنية إدارية تتولى إدارة القطاع، وقوة دولية للاستقرار تواكب عملية الانتقال، ضمن إطار مجلس السلام، فإن الحديث عن الملفات الأمنية، بما فيها السلاح، يصبح جزءاً من عملية سياسية واضحة المعالم. أما مطالبة طرف بالتخلي عن كل أوراقه بينما لا تزال السلطة البديلة غائبة، والترتيبات الأمنية غير مكتملة، واليوم التالي نفسه غير محسوم، فهي مطالبة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات.
وفي هذا السياق جاء الجدل حول ما سُمّي بـ"تحييد" أو "حصر" البنية التحتية" بالجولة الأخيرة في القاهرة، فالخلاف لم يكن على إزالة الأنفاق أو الورش العسكرية، أو حصرها، إذ لا يبدو أن هذا الملف كان يمثل العقدة الحقيقية في المفاوضات. ما أثار الاعتراض كان محاولة تحويل مصطلح فضفاض وغير معرف بدقة إلى التزام سياسي مفتوح على كل الاحتمالات. فعندما تبقى المصطلحات غامضة، يصبح الطرف الأقوى قادراً على فرض تفسيره وتحويله إلى أداة ضغط دائمة.
لهذا لم يكن الاعتراض على معالجة البنية العسكرية المتبقية، بل على إبقاء المصطلح مفتوحاً بلا تعريف واضح. فكيف يمكن الالتزام بشيء لا يملك أحد حدوداً دقيقة له؟ وكيف يمكن منع استخدام هذا الغموض مستقبلاً ذريعة لتعطيل الإعمار أو تأخير الانسحاب أو فرض شروط جديدة كلما اقتضت المصلحة السياسية الإسرائيلية ذلك؟
والواقع أن النظر إلى المشهد الميداني يجعل هذا الملف أقل تعقيداً مما يُصوَّر. فغزة تعرضت لتحولات هائلة بفعل الحرب، ومساحات واسعة منها أصبحت مدمرة أو خاضعة لسيطرة إسرائيلية مباشرة. وعندما تدخل اللجنة الإدارية لتتسلم المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، ستكون صاحبة القرار القانوني والإداري فيها. وعندها تصبح أي أعمال هندسية أو مسوحات ميدانية أو معالجة لما تبقى تحت الأرض جزءاً من عملية إعادة الإعمار وإعادة التخطيط العمراني، لا شرطاً يسبقها ويعطل انطلاقها.
لكن جوهر القضية لا يكمن هنا. فالسؤال الأكثر أهمية يتعلق بما هو متوفر فعلياً على الأرض لبدء مرحلة جديدة. كيف يمكن للجنة الوطنية أن تدخل غزة بينما قوة الاستقرار الدولية التي يُفترض أن تسبقها لم تُشكَّل بعد؟ وكيف يمكنها إدارة القطاع بينما لم تستكمل ترتيبات بناء القوة الشرطية الفلسطينية التي يفترض أن تحفظ الأمن وتفرض النظام؟ بل كيف يمكن الحديث عن هذه القوة فيما لم تسمح إسرائيل حتى الآن بخروج العديد من المرشحين للتدريب والتأهيل؟
ثم ماذا عن الإعمار نفسه؟ أين التمويل الحقيقي القادر على إطلاق عملية تعافٍ واسعة؟ وأين الالتزامات الدولية الملزمة؟ وأين التصور التنفيذي الذي يضمن إعادة تشغيل الخدمات والمؤسسات والاقتصاد؟ وماذا عن المليشيات المسلحة المدعومة من الاحتلال التي ظهرت خلال الحرب؟ ومن سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية وضبط تعقيداتها الأمنية والاجتماعية؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل جانبية، بل هي جوهر النقاش كله. لأنها تتعلق باليوم التالي للحرب، لا باليوم الأخير منها. وتتعلق بمستقبل غزة ككيان قابل للحياة، لا بمجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
ومن هنا تبرز أهمية اللجنة الوطنية الادارية وقوة الاستقرار الدولية بوصفهما أكثر من مجرد آلية إدارية أو أمنية. فدخولهما إلى غزة يمثل الحدث السياسي الأهم في المرحلة المقبلة، لأنه يشكل الإعلان العملي عن انتهاء مرحلة الحرب وبداية مرحلة السياسة. وهو أيضاً الضمانة الحقيقية لكسر المشروع الإسرائيلي القائم على إبقاء القطاع في حالة فراغ دائم؛ فراغ في السلطة، وفراغ في الإدارة، وفراغ في المسؤولية، بما يسمح باستمرار تنفيذ مخطط التهجير والاحتلال والاستنزاف لغزة وأهلها.
إن دخول اللجنة الوطنية وانتشار قوة دولية للاستقرار يعنيان أن هناك سلطة معترف بها دولياً تتسلم الأرض، ومؤسسات تبدأ بالعمل، ومساعدات يمكن أن تتدفق، وإعماراً يمكن أن ينطلق، وحياة عامة يمكن أن تستعيد جزءاً من توازنها. وهذا بحد ذاته يشكل أول هزيمة فعلية لمخططات التهجير والتفريغ السياسي الاسرائيلي. فوجود سلطة فلسطينية فاعلة على الأرض ينقل غزة من مساحة أمنية مفتوحة إلى مسار سياسي جديد يمكن البناء عليه لإنقاذ القطاع وتعافيه وإعادة إعماره.
وعندما يصبح هذا الواقع قائماً على الأرض، تتحول بقية الملفات، بما فيها ملف السلاح، إلى ملفات قابلة للحل ضمن مؤسسات شرعية وسلطة قائمة ومسار سياسي واضح. أما مطالبة الفلسطينيين بحسم ملف السلاح قبل قيام هذا الواقع، فهي مطالبة تقلب ترتيب الأحداث رأساً على عقب، لأن بناء السلطة والاستقرار هو الذي يخلق البيئة اللازمة لمعالجة القضايا الأمنية، وليس العكس.
لكن ثمة سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: هل يملك بنيامين نتنياهو أصلاً القدرة السياسية على تقديم حل لغزة في هذا التوقيت؟
فالرجل يتحرك داخل بيئة إسرائيلية شديدة الحساسية، تتداخل فيها حسابات بقائه السياسي مع تماسك ائتلافه الحاكم واستحقاقات الانتخابات المقبلة.وفي مثل هذا المناخ تصبح أي تسوية حقيقية لغزة عبئاً سياسياً أكثر منها فرصة سياسية، لأنها تتطلب الانتقال من منطق إدارة الحرب على غزة إلى منطق صناعة الحل لها.
لذلك قد لا يكون التعثر ناتجاً فقط عن الخلافات حول تفاصيل التفاوض، بل أيضاً عن غياب قرار إسرائيلي مستعد لدفع الثمن السياسي اللازم لإنهاء الحرب وفتح مسار جديد لغزة.
ولا يكتمل فهم المشهد من دون التوقف عند الموقف الأمريكي، خاصة أن الحراك السياسي والتفاوضي الدائر منذ أشهر يتحرك أساساً ضمن الإطار الذي طرحته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي حظي لاحقاً بدعم دولي عبر قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣.
فإذا كانت واشنطن هي صاحبة المظلة السياسية للمفاوضات، فإن السؤال يصبح: إلى أي مدى تملك الإرادة لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل من أجل إنجاح هذا المسار؟
تزداد أهمية هذا السؤال في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إقليمية أكثر إلحاحاً من وجهة نظرها، وفي مقدمتها الملف الإيراني والجبهة اللبنانية. وفي ظل هذه الأولويات قد لا تبدو واشنطن مستعدة للدخول في مواجهة سياسية مع نتنياهو حول غزة، خصوصاً وهي تدرك حساسية موقعه الداخلي وتعقيدات المشهد السياسي الإسرائيلي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من التماهي الأمريكي مع الموقف الإسرائيلي في الجولات الأخيرة، وخصوصاً في ملف السلاح. فبدلاً من ممارسة الضغط لتوفير الضمانات السياسية والإدارية المطلوبة لليوم التالي، بدا التركيز منصباً على المطالب الأمنية الإسرائيلية باعتبارها المدخل الأول لأي تفاهم محتمل.
وهنا تبرز معضلة إضافية: فنجاح أي مسار سياسي لا يحتاج فقط إلى مرونة فلسطينية أو قرار إسرائيلي، بل يحتاج أيضاً إلى راعٍ دولي مستعد لاستخدام نفوذه لضمان تنفيذ التفاهمات وتحويلها إلى واقع على الأرض. أما إذا بقيت واشنطن أقرب إلى المطالب الأمنية الاسرائيلية من فرض مسار الحل، فإن فرص الانتقال من الحرب إلى الاستقرار ستبقى محدودة مهما بلغت المرونة التي تبديها الأطراف الفلسطينية.
ولهذا تبدو المشكلة الحقيقية اليوم ليست في حجم المرونة التي قدمتها الفصائل، بل في غياب الضمانات التي تجعل هذه المرونة ذات معنى سياسي. فهناك فرق بين سلاح يُسلَّم ضمن مشروع ينهي الحرب ويعيد بناء غزة ويؤسس لحكم مستقر في غزة، وبين سلاح يُسلَّم فيما لا تزال أسئلة الإدارة والأمن والإعمار والتمويل معلقة بلا إجابات واضحة.
المعادلة في جوهرها بسيطة: إذا كان المقابل هو إنهاء الحرب، وبدء الإعمار، وقيام إدارة فلسطينية فاعلة، وانتشار قوة دولية للاستقرار، وكسر مشروع الفراغ والتهجير، فإن السلاح يصبح جزءاً من الحل. أما إذا كان المطلوب هو السلاح أولاً، بينما تبقى بقية الاستحقاقات رهينة الوعود والاحتمالات، فإن الأمر لا يتعلق باستعادة الحياة لغزة وأهلها بقدر ما يتعلق بإدارة اسرائيل للحرب بصيغة جديدة.
لهذا فإن اختزال مستقبل غزة في ملف السلاح ليس سوى تبسيطٍ مُخلّ لأزمة أكثر تعقيداً. فالقضية لم تعد تتعلق بما تملكه الفصائل أو بما قد تتخلى عنه، بل بوجود مسار سياسي حقيقي ينقل القطاع من الحرب إلى الاستقرار. وعندما تتوفر الإدارة الفاعلة، والضمانات اللازمة، والإعمار، والاستقرار، يصبح لكل الملفات الأخرى طريقها إلى الحل. أما في غياب ذلك، فسيبقى الجدل حول السلاح يدور في الفراغ، بينما تظل معضلة غزة الحقيقية بلا حلول .
