إيران ونظامها على صفيح ساخن تآكل التوافق التكتيكي لدى نظام الملالي في ظل صراع الأجنحة

تابعنا على:   15:31 2026-06-03

عبدالرزاق الزرزور

أمد/  تشهد البنية السياسية في إيران حالة من الاستقطاب والارتجال الحاد التي تجاوزت أطر الخلاف التقليدي حول السياسات العامة لتبلغ مرحلة "تفكك الإجماع" حول ملفات تمس جوهر العقيدة الأمنية والجيوسياسية للنظام.

 إن السجال المحتدم بين الجناح الراديكالي المتشدد والتيار المحسوب على حكومة مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يكشف عن أزمة وجودية تعصف بصناع القرار في طهران في وقت تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية الخانقة مع احتمالات الانفتاح الدبلوماسي مع واشنطن.

سوسيولوجيا الانقسام.. أزمة الهوية مقابل الضرورة

لم يعد الانقسام في هيكل النظام الإيراني قائماً على مجرد تباين في وجهات النظر بل تحول إلى تصدعٍ هيكلي يعكس تضارب الرؤى حول "الغاية من بقاء النظام".. ويرى التيار المتشدد الذي يمثله شخصيات مثل حسين شريعتمداري والنائب حميد رسائي أن أي مرونة تجاه الغرب ولا سيما الولايات المتحدة هي بمثابة تنازل وجودي يفكك أركان "هوية الثورة".. في المقابل يدرك الفريق الحكومي المحيط بـ بزشكيان أن الاستمرار في سياسة العزلة لم يعد خياراً مستداماً في ظل تدهور المؤشرات الاقتصادية واتساع رقعة الاحتقان الشعبي الذي يغذي انتفاضات دورية باتت تهدد السلم الاجتماعي.. ويبقى النظام قائماً بين المناورة والتكتيك وتقاسم الأدوار على طريقته التي دأب عليها.

مضيق هرمز.. استراتيجية "الابتزاز" تحت المجهر

تعد قضية مضيق هرمز نموذجاً حياً لهذه الازدواجية في الخطاب.. فبينما يطالب الراديكاليون بتحويل المضيق إلى أداة ضغط جيوسياسي (عبر المطالبة برسوم عبور غير واضحة المعايير) تحذر الأوساط القريبة من الحكومة مثل صحيفة اعتماد من أن مثل هذه الإجراءات قد تجلب تداعيات قانونية وأمنية كارثية.

 إن هذا السجال يشي بأن النظام لم يعد يمتلك رؤية موحدة لإدارة أوراقه الرابحة؛ فالمتشددون يسعون لتوظيف المضيق كـ "فخ دولي" لتعطيل أي مفاوضات بينما يخشى الواقعيون أن يؤدي التهور في هذا الملف إلى استعداء المجتمع الدولي وتعميق العزلة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني.

صراع الأجنحة.. وأزمة الشرعية والرقابة

تجلت حدة الصراع داخل مجلس الملالي.. حيث تحولت منصة الملالي التشريعية من منصة لترجمة التوجهات العليا إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية؛ الهجوم الذي شنه رسائي ونبويان على قاليباف وفريقه المفاوض واتهامهم بالالتفاف على الدستور يعكس رغبة التيار المتشدد في فرض "الوصاية الرقابية" على مسارات التفاوض.. هذا التراشق يضع النظام أمام مأزق دستوري؛ فإما التمسك بالانغلاق لضمان الولاء الأيديولوجي.. أو منح الحكومة مساحة للمناورة السياسية مع خطر الانفجار من الداخل نتيجة غضب التيار الراديكالي.

الحكومة في مواجهة "الراديكالية المهددة"

في محاولة لاحتواء التآكل الداخلي انتقلت حكومة بزشكيان من الدفاع إلى الهجوم؛ إذ وصفت تحركات الجناح المنافس بأنها تهديد للأمن القومي.. وإن تحذيرات المسؤولين مثل عباسي وزيني وند لتعكس رعب النظام من أن يؤدي التنافس بين الأجنحة إلى تآكل هيبة الدولة في وقت تحفز فيه الأزمات المعيشية "مزرعة الاستياء" الشعبية.. ويشير هذا الخطاب الحكومي الحاد ضد الراديكاليين إلى أن الطرفين باتا يدركان أن استمرار "المزايدة السياسية" قد يفقد النظام القدرة على السيطرة خاصة مع تكرار سيناريوهات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد سابقاً والتي اتخذت من القمع والفقر والغلاء وقوداً لها.

أزمة قرار في وقت حرج

إن ما تمر به إيران اليوم هو مفترق طرق يؤدي في منتهاه إلى الهاوية.. فالتناقضات بين أجنحة النظام لم تعد موت كبيرهم مجرد "تعددية منضبطة" بل تحولت إلى صراع مصالح وجودي، ويشير مراقبون دوليون إلى أن طهران باتت عالقة في "فخ التوقيت" فلا هي قادرة على حسم خيار الانفتاح الدبلوماسي الذي قد ينهي عزلتها، ولا هي قادرة على تحمل تكاليف الاستمرار في السياسات الراديكالية التي تزيد من فقر الداخل.

 إن الاستقرار النفسي والاجتماعي في إيران بات رهينة بقدرة النظام على كبح جماح أجنحته المتصارعة وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل غياب رؤية استراتيجية جامعة تتجاوز "صراع البقاء" إلى "إدارة الدولة".

في نهاية المطاف سيظل السؤال الذي يؤرق مراكز القرار في طهران هو: هل سيتمكن النظام من ضبط إيقاع هذه التيارات المنفلتة المتنافرة قبل أن يؤدي التصدع الداخلي إلى زعزعة ركائز السلطة ذاتها؛ خاصة وأن التاريخ الحديث لإيران يؤكد أن الأزمات الاقتصادية كانت دوماً الشرارة التي لا تعترف بخطوط "الولي الفقيه" الحمراء ناهيك عن القمع والاستبداد الذي مس بكرامة المجتمع...!  

 

اخر الأخبار