البراجماتية السياسية والمخاطر الإقليمية

تابعنا على:   18:47 2026-05-25

محمد مصطفى أبو شامة

أمد/ تعيش المنطقة العربية واحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً منذ عقود، وسط تحولات عميقة أعادت تشكيل الخرائط، وترسيم الحدود، ودفعت العديد من العواصم العربية إلى تبني مقاربات أكثر براجماتية في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الوطنية المباشرة هي الحاكم الأساسي للقرار السياسي، متقدمة على الشعارات الأيديولوجية أو التصورات التقليدية للعمل العربي المشترك.

هذه البراجماتية السياسية لم تأتِ من فراغ، وإنما فرضتها بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب العسكرية مع حروب النفوذ والتأثير والوعي، وتتراجع فيها قدرة النظام العربي على إنتاج موقف جماعي موحد تجاه القضايا الكبرى. ولهذا لم يعد الخلاف بين العواصم العربية يدور فقط حول أدوات إدارة الأزمات، وإنما حول تعريف الخطر نفسه، وترتيب الأولويات، وحدود التحالفات الممكنة في مرحلة شديدة السيولة.

فالتصعيد الإقليمي المتواصل منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، وما تبعه من اشتعال الجبهة اللبنانية، وتصاعد هجمات البحر الأحمر، ثم المواجهة المباشرة وغير المسبوقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، كشف حجم التحولات التي تضرب بنية الإقليم، وأعاد طرح سؤال بالغ الخطورة: من هو العدو الرئيسي؟ وكيف تُعاد صياغة خرائط التهديدات في الشرق الأوسط؟

الحقيقة أن المنطقة باتت تواجه ثلاثة تهديدات متوازية ومتشابكة: المشروع الإسرائيلي بسياساته التوسعية والعنيفة، والمشروع الإيراني القائم على النفوذ الإقليمي العابر للدول، وجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، بما تمثله من تهديدات لاستقرار الدولة الوطنية وبنية المجتمعات العربية. وقد تختلف أولويات المواجهة من دولة إلى أخرى وفق اعتبارات الجغرافيا السياسية والأمن القومي، لكن تجاهل أي من هذه التهديدات لم يعد ممكناً، بعدما أثبتت السنوات الأخيرة أن المنطقة تدفع ثمن الاشتباك المتزامن مع هذه المخاطر جميعاً.

لقد كشفت الحرب الأخيرة أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة لصراع تقليدي واحد، بل أصبح ميداناً مفتوحاً لحروب متعددة المستويات؛ صراع على النفوذ الإقليمي، ومنافسة دولية على الممرات البحرية والطاقة، وحروب معلومات وإدراك تُدار عبر الإعلام والمنصات الرقمية بهدف إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الشعبي داخل المجتمعات العربية.

لهذا, فإن إعادة رسم خرائط المخاطر الإقليمية ضرورة استراتيجية، وليست مجرد نقاش فكري أو سياسي. فالأزمة الحقيقية لم تعد في وجود الأخطار، وإنما في غياب تصور عربي مشترك لكيفية التعامل معها، وفي تباين أولويات العواصم العربية بين من يرى الخطر في التمدد الإيراني، ومن يعتبر السياسات الإسرائيلية التهديد الأكثر إلحاحاً، ومن يضع تفكيك الدولة الوطنية وصعود التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود على رأس قائمة التهديدات.

هذا التباين أضعف قدرة النظام العربي على بناء مقاربة جماعية متماسكة، وفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة التموضع داخل المنطقة، مستفيدة من حالة الانكشاف العربي والتنافس الإقليمي الحاد.

لقد دخل الشرق الأوسط، خلال العقدين الأخيرين، مرحلة إعادة تشكيل تدريجي بدأت بإخراج العراق من معادلة التوازن العربي، ثم تعمقت مع تداعيات ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، وصولاً إلى مرحلة السيولة الحالية التي تحولت فيها بعض الدول إلى ساحات نفوذ مفتوحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية.

فالهدف لم يعد احتواء أزمة عابرة، بل منع انهيار النظام الإقليمي بالكامل، وتفادي الدخول في مرحلة فوضى ممتدة قد تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية للمنطقة بصورة أكثر عنفاً وتعقيداً.

لكن أي مقاربة جادة للأمن الإقليمي ستظل ناقصة إذا اقتصرت على البعد العسكري أو الأمني وحده. فالتطورات الأخيرة كشفت حجم التصدعات الثقافية والمعرفية داخل المجتمعات العربية، وأظهرت كيف تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للاستقطاب والتحريض وإعادة إنتاج الانقسامات، بما يجعل معركة الوعي جزءاً لا ينفصل عن معركة الأمن القومي.

ولهذا، فإن إعادة رسم خرائط المخاطر لا تعني فقط تحديد مصادر التهديد، وإنما تعني أيضاً إعادة بناء الوعي العربي، واستعادة مركزية الدولة الوطنية، وصياغة حد أدنى من التفاهم المشترك حول أولويات الاستقرار والبقاء. فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة إعادة تشكيل تاريخية، والسؤال لم يعد فقط مَن سينتصر في المواجهات الجارية؟ بل ما إذا كانت دول المنطقة ستنجح في الاتفاق على تصور واضح لمواجهة المخاطر قبل أن تتحول هي نفسها إلى خرائط جديدة يُعاد رسمها بالنار والفوضى.

اخر الأخبار