لعنة بني اسرائيل في سيناء .. هي نفسها لعنة غزة التي لاحقت واطاحت برموز غزة في اللجنة المركزية
خالد جوده
أمد/ هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى محللين ولا إلى لجان مركزية ولا إلى اجتماعات مغلقة. لحظات تضرب الوجدان مثل صفعة، وتوقظ حتى أكثر الناس نومًا. غزة فعلت ذلك. غزة التي حاول البعض أن يحاصروها، فإذا بها تحاصرهم هي، وتعرّي ضعفهم، وتكشف حساباتهم، وترسل لهم لعنة تشبه اللعنة التي ضربت بني إسرائيل في سيناء، لكنها ليست أربعين عامًا من التيه، بل أربعين قرارًا خاطئًا، وأربعين لجنة، وأربعين تبريرًا لا يقنع طفلًا. لعنة غزة ليست أسطورة، بل لعنة الناس أنفسهم. لعنة أمهات الموظفين الذين قُطعت رواتبهم، ولعنة الطلاب الذين حُرموا من المنح الدراسية، ولعنة المرضى الذين انتظروا تحويلة طبية فلم تصل، وانتظروا تنسيقًا فلم يُنسّق، ولعنة الأرامل اللواتي لم يجدن من يسأل عنهن. هذه اللعنة لا تحتاج إلى ساحر، يكفي أن تنظر في عيون الناس لتفهم حجم الغضب وحجم الخذلان.
ابناء حركة فتح عبروا بطريقتهم عن سخطهم بوضوح على من مثلوها في اللجنة المركزية خلال عشرون عاماً ، غزة لم تنتخب حبًا ولا شعارات ولا ولاءً. غزة انتخبت من عاش معها الحرب، لا من عاش على شاشاتها. انتخبت من كان معها حين احترق الليل، ومن سمع صراخ الأطفال، ومن رأى الغبار يخرج من بين الأنقاض، ومن عاش معها الخوف والبرد والجوع. لم يكن الأمر قصة رومانسية، بل قصة نجاة، قصة من بقي ومن صمد ومن لم يهرب من اللحظة. ولهذا جاءت النتيجة كما جاءت، لا مفاجِئة ولا غريبة، بل منطقية تمامًا لمن يفهم معنى أن يعيش الناس الموت ثم يبحثون عمّن عاشه معهم.
ولعنة غزة لم تتوقف عند حدود الصندوق، بل ضربت أركان اللجنة المركزية نفسها. ليس لأن غزة تريد الانتقام، بل لأنها تريد التغيير. تريد فتحًا التي عرفناها، لا فتحًا التي ضاعت في دهاليز المناصب. تريد حركة تستعيد نفسها، وتعيد ترتيب بيتها، وتكسر الانقسام الداخلي الذي صار أثقل من الانقسام الوطني نفسه. غزة لم تلعن الأشخاص، بل لَعنت الطريقة، العقلية، الجمود، والابتعاد عن الناس.
نحن اليوم بحاجة إلى نظام فلسطيني جديد، لا إلى تجميل القديم. لا يمكن مواجهة القادم، مهما كان شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، متطرفة أو وسطية، ونحن بهذا الشكل المترهل. لا يمكن أن نواجه العالم ونحن واجهة بكسة بطاطا، واجهة مرتجلة لا تشبه شعبًا قدّم كل هذا الدم وكل هذا الصبر. نحتاج إلى نظام يفتح أبوابه لغزة بدل أن يغلقها، نظام يعيد اللحمة لشقي الوطن بدل أن يكرّس الانقسام، نظام يضع الكفاءة قبل الولاء، والناس قبل المناصب، والوطن قبل الحسابات الشخصية.
والنهضة لا تأتي بقرار، بل بوحدة الصف أولًا، بأن نضع خلافاتنا جانبًا ونفهم أن الوطن أكبر من الجميع. ثم بإعادة بناء المؤسسات على أساس الشفافية والمحاسبة والعدالة، مؤسسات تخدم الناس لا تخدم نفسها. ثم بالعمل المشترك، لا بالشعارات، بل بالبرامج والمشاريع والخطوات الملموسة التي تعيد الثقة للناس وتعيد الهيبة للنظام السياسي.
غزة لم ترسل لعنتها لتدمّر أحدًا، بل لتوقظ الجميع. لتقول كفى. عودوا إلى الوطن. عودوا إلى الناس. عودوا إلى فتح التي كانت، وإلى فلسطين التي يجب أن تكون. هذه ليست لعنة غضب، بل لعنة صحوة، لعنة تقول إن الوقت قد حان لنبدأ من أنفسنا قبل أن نطلب من العالم أن يبدأ معنا.
