حين ينتصر الانتماء على المناصب

تابعنا على:   14:32 2026-05-17

د. مؤيد بدران

أمد/ انتهت انتخابات المجلسين المركزي والثوري، وبدأت معها مشاعر الفرح لدى من نالوا ثقة أبناء الحركة، ومشاعر الحزن أو الخيبة لدى آخرين لم يحالفهم الحظ. وهذه طبيعة كل استحقاق ديمقراطي، حيث يربح البعض موقعًا، بينما يبقى الآخرون خارج إطار النتيجة… لكنهم لا يكونون خارج إطار القيمة أو التاريخ أو التأثير.
في الحقيقة، أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو اختزال الأشخاص بالمناصب، أو قياس قيمة المناضلين بعدد الأصوات التي حصلوا عليها. فكم من شخص جلس على كرسي ولم يترك أثرًا، وكم من رجل بقي خارج كل المواقع لكنه ظل حاضرًا في وجدان الناس وضمير الحركة والوطن.
إن حركة فتح، بتاريخها الطويل، لم تُبنَ فقط بأعضاء اللجان والمجالس، بل بآلاف الجنود المجهولين الذين حملوا الفكرة قبل أن يحملوا الألقاب، وصنعوا الحضور قبل أن يبحثوا عن المواقع. هؤلاء الذين بقوا في الميدان، وفي الغربة، وفي المعتقل، وفي ساحات العمل الوطني والاجتماعي، هم العمود الحقيقي لأي حركة وطنية.
أما الذين فازوا اليوم، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقهم أكبر من مجرد الاحتفال بالنجاح. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة تجمع ولا تفرق، تسمع قبل أن تتحدث، وتفتح أبوابها لكل أبناء الحركة دون استثناء. النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى الموقع، بل في القدرة على تحويل هذا الموقع إلى مساحة لخدمة الناس والحفاظ على وحدة الصف.
وفي المقابل، فإن الذين لم يحالفهم الحظ يجب ألا يشعروا أنهم خسروا مكانتهم أو دورهم. فالنضال لا يحتاج إلى بطاقة عضوية في مجلس حتى يستمر، والانتماء الحقيقي لا تحدده النتائج. بل ربما يكون دور الجندي الصادق في كثير من الأحيان أعمق أثرًا وأكثر إخلاصًا من دور المسؤول نفسه.
علينا جميعًا أن نتذكر أن فتح كانت دائمًا أكبر من الأسماء، وأكبر من الانتخابات، وأكبر من أي موقع تنظيمي. قوتها الحقيقية كانت وستبقى في روح أبنائها، وفي قدرتهم على تجاوز الخلافات الشخصية والانتصار للفكرة الوطنية الجامعة.
اليوم، المطلوب ليس فقط تهنئة الفائزين، بل أيضًا احتضان كل من لم ينجح، لأن الجميع شركاء في المسيرة. فلا منتصر حقيقي إذا شعر جزء من أبناء الحركة بالإقصاء، ولا مستقبل لأي تنظيم إذا تحولت الانتخابات إلى سبب للانقسام بدل أن تكون محطة للتجديد والتطوير.
وفي النهاية، تبقى الكراسي مؤقتة، بينما يبقى التاريخ شاهدًا على الرجال الحقيقيين… أولئك الذين ظلوا أوفياء لفلسطين، سواء كانوا في الصفوف الأولى أو بين الجنود المجهولين.

اخر الأخبار