بين "الذاكرة" و"الفخ السياسي": هل يكرر التاريخ نفسه في غزة؟!
د. صلاح أبو غالي
أمد/ في الحقيقة، لا يمكن استنطاق الحاضر في المنطقة العربية دون النبش في ركام الذاكرة المثقوبة بالوعود الدولية؛ تلك الذاكرة التي لا تزال تنزف من جرح بيروت عام 1982.
فحينما نراجع التاريخ السياسي للمنطقة، ونقرأ أحداثه بعمق، نجد أننا لسنا أمام صدف سياسية، بل أمام هندسة محكمة لـ "الخديعة الضامنة".
إن القراءة المتأنية لما وراء الأحداث تكشف أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تصيغ ضماناتها إلا كمواد مرنة تتمدد وتتقلص بحدود مصلحة إسرائيل وأمنها.
وما حدث في صيف ذلك العام لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان درساً قاسياً في "فن الخديعة"؛ حيث تم تجريد بيروت من درعها المقاوم تحت مسمى "الانسحاب الآمن"، بموجب اتفاق دولي وإشراف قوة متعددة الجنسيات.
وهنا يكمن وجه الشبه المرعب مع ما يُطرح اليوم في غزة؛ فالتاريخ يهمس لنا بأن 'الخروج الآمن' الذي سلكه نحو 15 ألف مقاتل فلسطيني من بيروت في أغسطس 1982 باتجاه تونس ودول أخرى، لم يكن إلا بوابة لمجزرة كبرى.
فبمجرد أن فرغت المدينة من سلاحها الضامن، تلاشت الوعود الأمريكية، وتحول 'الانسحاب الآمن' إلى 'انفراد قاتل' بالمخيمات العزل، لتستيقظ الإنسانية على هول فاجعة صبرا وشاتيلا التي حصدت أرواح 3500 ضحية بدم بارد، تحت مرأى ومسمع آرييل شارون ورعاية جيش الكيان، في مشهد يثبت أن الضمانات الورقية لا تحمي الأجساد من الرصاص حين تتقاطع المصالح الممنهجة.
إن استحضار مشهد الثمانينيات في سياق غزة اليوم ليس مجرد ترف تاريخي، بل هو استشراف لمآلات القوة والضعف في معادلة الصراع.
إن "لغز السلاح" يظل هو المتغير التابع والمستقل في آن واحد؛ فننزع السلاح تحت غطاء الضمانات الدولية هو الاستراتيجية التي لم تتبدل في العقل الغربي، كشرط وحيد لإحلال "سلام الأقوياء" على حساب "بقاء الضعفاء".
وبالنظر إلى الضغوط الإقليمية الحالية، نجد أننا أمام "ضمانات من نوع جديد" في شكلها، لكنها قد تظل عقيمة في مضمونها.
فبينما كانت وعود الثمانينيات وعوداً "لوجستية" بالخروج الآمن، نرى اليوم وعوداً "سياسية" بإعادة الإعمار والمسار السياسي، وكلاهما يشتركان في ذات العلة:
"غياب آلية المحاسبة الدولية لضامن يملك حق النقض (الفيتو) ضد أي إدانة."
🟩🔚 الخاتمـــة:
ختاماً، إن استحضار مشهد الثمانينيات في سياق غزة اليوم ليس مجرد ترف تاريخي، بل هو استشراف لمآلات القوة والضعف في معادلة الصراع.
إن جوهر السياسة الأمريكية لم يتغير، بل ازداد انحيازاً، مما يجعل الرهان على الضمانات الخارجية رهاناً على سراب.
لذا، فإن استقرار أمن المنطقة لن يفرزه "تكرار المشهد" بل "كسر النمط"؛ فالشعوب التي تقرأ التاريخ جيداً تدرك أن الضمانة الحقيقية لا تُمنح في ردهات السفارات، بل تُنتزع بامتلاك أوراق القوة التي تمنع تكرار المأساة.
وهنا لا بد لنا من تساؤلات تستشرف مآلات الأحداث و السيناريوهات المتوقعة:
هل يتكرر المشهد في غزة، وبالضمانات الأمريكية ذاتها؟!
ليظل "لغز السلاح" هو الفيصل في معادلة استقرار أمن المنطقة؟!
وهل تفرز الضغوط الإقليمية الحالية "ضمانات من نوع جديد" تختلف عن وعود الثمانينيات، أم أن جوهر السياسة لم يتغير؟!
