ما بعد الحرب: المنطقة على حافة إعادة التشكل ..

تابعنا على:   14:04 2026-03-04

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ لم تعد المواجهة بين أميريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، احتمالًا نظريًا أو حرب ظلّ تُدار عبر الرسائل والضربات المحدودة.
ما يجري اليوم هو اشتباك مباشر يتصاعد عسكريًا ويتسع جغرافيًا، ويضع الإقليم أمام لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل توازناته لسنوات طويلة.
السؤال لم يعد: هل تقع الحرب؟ بل: إلى أين تمضي، وماذا سيولد من رحمها؟
الضربات المتبادلة في العمق الإيراني، والردود الصاروخية والطائرات المسيّرة، واستهداف مواقع وقواعد في أكثر من ساحة، تؤكد أننا أمام مواجهة مفتوحة السقف.
لم تعد العمليات محصورة في نطاق ردع متبادل مضبوط، بل دخلت مرحلة كسر الإرادات.
كل طرف يسعى إلى إضعاف الآخر استراتيجيًا، لا مجرد توجيه رسالة تكتيكية.
غير أن طبيعة الصراع نفسه تجعل من الحسم العسكري الكامل هدفًا صعب المنال؛ فإيران لا تقاتل بجبهة واحدة، بل عبر شبكة نفوذ ممتدة، فيما تدير الولايات المتحدة وإسرائيل معركتهما ضمن حسابات تتداخل فيها السياسة الداخلية والالتزامات الدولية.
اتساع رقعة الاشتباك نحو ساحات مثل متعددة يجعل من الحرب متعددة الطبقات.
هنا لا يُقاس التقدم بعدد المواقع المستهدفة، بل بقدرة كل طرف على الصمود والاستمرار. هذا النمط من الحروب يميل إلى الاستنزاف، حيث تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة ضغط طويلة الأمد، لا أداة حسم سريع.
ومع كل يوم إضافي، تتزايد الكلفة البشرية والاقتصادية، ويصبح “ما بعد الحرب” أكثر تعقيدًا من بدايتها.
اقتصاديًا، بدأت الارتدادات تظهر سريعًا في أسواق الطاقة والتأمين والملاحة.
أي تهديد للممرات الحيوية ينعكس فورًا على الأسعار، ما يربك اقتصادات كبرى قبل دول المنطقة نفسها. وهنا يدخل العامل الدولي بقوة؛ فالدول الأوروبية والآسيوية، المعتمدة على استقرار إمدادات الطاقة، تجد نفسها مضطرة للضغط نحو احتواء التصعيد، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيه.
غير أن الضغوط الدولية، مهما اشتدت، غالبًا ما تسعى إلى وقف النار لا إلى حل جذور الأزمة.
داخليًا، تواجه العواصم المتحاربة معادلة دقيقة.
في إيران، يعزز التصعيد خطاب السيادة والمواجهة، لكنه في الوقت ذاته يضاعف الأعباء الاقتصادية على مجتمع يعاني أصلًا من عقوبات وضغوط معيشية. وفي إسرائيل، يتصاعد الجدل حول كلفة الحرب ومآلاتها، خصوصًا إذا طال أمدها واتسعت جبهاتها.
أما في الولايات المتحدة، فإن الحسابات الانتخابية والرأي العام يلعبان دورًا مؤثرًا في رسم حدود الانخراط ومدة الاستمرار.
العامل الفلسطيني يبقى حاضرًا في خلفية المشهد، لا بوصفه تفصيلًا بل جوهرًا للصراع الإقليمي. ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية يتقاطع مع هذه المواجهة الكبرى، سواء عبر الحسابات الإسرائيلية أو من خلال خطاب الصمود الفلسطيني والموقف العربي الداعم للحقوق الوطنية الفلسطينية. وإذا استمرت الحرب دون أفق سياسي يعالج جذور القضية الفلسطينية، فإن المنطقة ستبقى أسيرة دورة عنف مفتوحة، تتبدل عناوينها وتبقى أسبابها.
أما مآلات الحرب، فيمكن قراءتها ضمن عدة احتمالات مترابطة.
أولها احتمال استمرار القتال بوتيرة متصاعدة لفترة أطول، مع ضربات متبادلة في العمق ومحاولات كل طرف فرض معادلة ردع جديدة.
ثانيها احتمال توسع الاشتباك ليشمل أطرافًا إضافية بشكل مباشر، ما ينقل المواجهة من حرب إقليمية محدودة إلى صراع أوسع ذي أبعاد دولية.
ثالثها احتمال تدخل دولي مكثف يفرض وقفًا لإطلاق النار، يجمّد خطوط النار من دون أن ينهي أسبابها. وفي كل هذه الاحتمالات، لا يبدو أن المنطقة مقبلة على استقرار سريع، بل على مرحلة انتقالية مضطربة.
خلاصة القول إن الحرب الدائرة اليوم ليست حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل تعبير عن خلل عميق في بنية النظام الإقليمي.
مآلها لن يتحدد فقط بنتائج المعارك، بل بقدرة الأطراف على تحويل القوة العسكرية إلى مسار سياسي واقعي.
فإذا توقفت عند حدود إدارة التوازن بالقوة، فإن “ما بعد الحرب” سيكون مجرد هدنة بين موجتين من التصعيد.
أما إذا أُدرك أن الأمن لا ينفصل عن العدالة السياسية، فقد تفتح هذه المواجهة – بكل كلفتها – باب مراجعة شاملة تعيد ترتيب أولويات المنطقة من منطق الغلبة إلى منطق التسويات القانونية والمستدامة.
وحتى تتضح هذه الوجهة، تبقى المنطقة معلّقة بين نار مشتعلة وخرائط لم تُرسم بعد.

اخر الأخبار