في رمضان… حين يعود الغائبون بالدعاء

تابعنا على:   13:31 2026-02-28

سعيد محمد الغفاري

أمد/ في ليالي رمضان، حين يهدأ الضجيج وتعلو تلاوة القرآن من النوافذ، يعود الغائبون إلى القلب أقرب من أي وقتٍ مضى. نستذكرهم على موائد الإفطار، في أماكنهم التي اعتادوا الجلوس فيها، في ضحكاتهم التي كانت تملأ الحي دفئًا، وفي خطواتهم التي كانت تطمئن الجار قبل الدار.
فقدان الصديق والجار الطيب سليمان ابو الذيب ( ابو ايمن ( ) ليس حدثًا عابرًا في سجل الحياة؛ إنه كسرٌ كبير في الروح، ومساحة فراغ لا يملؤها أحد. الصديق الذي كان يسأل قبل أن نشتكي، ويطرق الباب بلا موعد، ويشاركنا تفاصيل الأيام البسيطة؛ صار اليوم ذكرى، وصار حضوره دعاءً لا ينقطع.
في رمضان، تتضاعف الحسرة ويكبر الحنين. كان يجلس معنا يمازح الصغار، ويستبشر باذان المغرب، ويُسرّ إذا رأى وجوه الجيران مجتمعة. كان يعرف أن رمضان ليس شهر الصيام فقط، بل شهر القلوب المتآلفة والبيوت المفتوحة والنيات الصافية.
نستذكره فنجد سيرته طيبةً بين الناس؛ لم يكن صاحب ضجيج، بل صاحب أثر. كلمة طيبة، يدٌ ممدودة، موقفٌ كريم في وقت الحاجة. هكذا يكون الجار الصالح… وهكذا يكون الصديق الذي يُفتقد حقًا.ولأن الفقد لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر، فإن غيابه ما زال يمشي بيننا في التفاصيل الصغيرة. حين نسمع طرقًا على بابٍ مجاور، نتخيّل أنه هو، وحين يمرّ اسمه في حديثٍ عابر، يسكت الجميع لحظةً وكأنهم يفسحون للذكرى مكانًا يليق بها.
كان يعرف كيف يُخفف عن الناس أثقالهم دون أن يُشعرهم بثقل حضوره. إذا ضاق الحال بأحد، كان أول الواصلين، وإذا فرح بيتٌ في الحي، كان أكثرهم ابتسامًا. لم يكن جارًا بالعنوان فقط، بل كان سندًا بالمعنى، ورفيقًا بالموقف، وأخًا بالمروءة.
وفي رمضان تحديدًا، تتجدد الحكايات. نتذكر صوته وهو يدعو عند الأذان، وحرصه على صلاة الجماعة، واهتمامه بأن لا يبقى في الحي محتاجٌ دون سؤال. كان يرى في الشهر الفضيل فرصةً ليزيد من الخير، ويجبر الخواطر، ويصل ما انقطع بين الناس.
رحل جسدًا، لكن أثره باقٍ فينا؛ في كل عمل خير نقوم به استلهامًا لخلقه، وفي كل صلحٍ نسعى إليه تذكّرًا لحرصه على جمع القلوب. هكذا يبقى الصالحون… لا تُغيّبهم الأرض، بل تحفظهم الأعمال، ويُحييهم الدعاء.
سنقف في ليالي القدر، نرفع أكفّنا والدمع يسبق الكلمات:
اللهم إن عبدك ابا ايمن كان لنا أخًا وصديقًا وجارًا صالحًا، فاجزه عنا خير الجزاء، وبلّغه منازل الصديقين، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واكتب له أجر كل دعاءٍ يصل إليه من قلوب أحبته.
وسنمضي… نحمل ذكراه أمانة، ونحاول أن نكون كما كان يحب أن نكون: متراحمين، متعاونين، قريبين من الله، قريبين من بعضنا.
فإذا كان الفقد قدرًا، فإن الوفاء اختيار، ونحن اخترنا أن يبقى حيًا في دعائنا ما حيينا. 🌙
نمضي في أيام الشهر الفضيل، نرفع أكفّنا بعد كل صلاة:
اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، واجعل قبره نورًا وسعة، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته. اللهم اجمعنا به في مستقر رحمتك، حيث لا فراق ولا حزن.
سيبقى اسمه حاضرًا في دعائنا، وصورته بيننا في كل رمضان، وسنُخبر أبناءنا عن رجلٍ كان جارًا وصديقًا وأخًا، ترك في الحي ذكرى لا تغيب، وفي القلوب أثرًا لا يُمحى.
رحم الله من فقدناهم… وجعل رمضان شاهدًا لنا لا علينا، وجامعًا لنا بهم في جنات الخلود.

اخر الأخبار