وثائق إبستين… التوقيت المريب وأسئلة ما وراء الضجيج
محمد ناجي الهميس
أمد/ عاد ملف جيفري إبستين إلى الواجهة بزخمٍ لافت، ومعه سيلٌ من الوثائق المسربة وما تحمله من معلومات صادمة وفضائح طالت شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية من مستويات مختلفة، ومن دولٍ شتى حول العالم.
عودةٌ لم تكن هادئة، بل جاءت مدوية، وكأنها صُمِّمت لتحتل صدارة المشهد وتستحوذ على اهتمام الرأي العام العالمي دفعة واحدة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الحجم؟
هل هو توقيتٌ عفوي، أم أن وراء إعادة فتح الملف أسبابًا تتجاوز مجرد “حق الناس في المعرفة”؟
في رأيي، هذا التوقيت لا يبدو بريئًا تمامًا. فالعالم خلال الفترة الماضية شهد انكشاف ملفات كبرى، وتحوّل النقاش العام إلى قضايا تمس مراكز قوة ونفوذ، وتُعيد رسم خرائط المواقف والتحالفات. ومع اتساع دائرة النقاش، أصبحت بعض السرديات التقليدية موضع تشكيك، وبدأت خيوط مخططات إقليمية كانت خفية تتكشف تباعًا في الإعلام وبين النخب السياسية.
ومن بين ما طُرح بقوة، الحديث المتزايد عن مشاريع تفتيت وإثارة فتن في عدد من الدول العربية، وما رافقها من اتهامات بتدخلات غير مباشرة عبر وكلاء ونفوذ ممتد، استهدف دولًا محورية ذات ثقل سياسي واقتصادي. هذا النقاش، بصرف النظر عن الموقف منه، أخذ حيزًا واسعًا في الإعلام والرأي العام، وألقى بظلاله على صورة أطراف بعينها، وأحدث تحولات ملحوظة في مواقف دولٍ مؤثرة.
في هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل:
هل أعيد إحياء ملف إبستين بهذه الكثافة لصرف الأنظار؟
هل الهدف إعادة توجيه البوصلة الإعلامية نحو فضيحة أخلاقية عالمية، قادرة بطبيعتها على جذب الانتباه وإغراق الفضاء العام بالصدمة، بدل استمرار التركيز على ملفات سياسية واستراتيجية أكثر حساسية؟
كما أن ما يجري في غزة، وما يرافقه من جدل دولي متصاعد وضغوط سياسية وإعلامية، شكّل عاملًا إضافيًا في تأجيج الرأي العام. ومع تعقّد المشهد ورفض كثيرين العودة إلى “التهدئة الصامتة”، بات واضحًا أن هناك صراعًا على الرواية، وعلى ما يجب أن يبقى في الواجهة، وما يُراد له أن يتراجع.
إثارة ملف إبستين بهذه السرعة، وبهذا الاتساع، قد تكون – وفق هذا الرأي – محاولة لإغراق المشهد بقضية لا خلاف على فداحتها، لكنها في الوقت نفسه تُبعد الضوء عن ملفات أخرى لا تقل خطورة على مستقبل المنطقة والعالم.
لا يعني ذلك تبرئة أحد، ولا التقليل من بشاعة ما يحمله ملف إبستين من انتهاكات وجرائم. لكن السؤال الأهم يظل قائمًا:
من يختار التوقيت؟
ومن يملك القدرة على رفع ملفٍ ما إلى القمة، وإزاحة غيره إلى الهامش؟
في عالم السياسة، نادرًا ما تكون الضجة بريئة، ونادرًا ما تكون الصدفة وحدها هي المحرّك. وما بين الوثائق المسربة، وضجيج الإعلام، وصراع السرديات، يبقى الوعي النقدي هو السلاح الأهم، حتى لا نتحول من متابعين إلى أدوات في معركة تحويل الانتباه.
