لا مصالحة فلسطينية قبل المحاسبة والمساءلة القضائية
حميد قرمان
أمد/ بدأت كوادر وعناصر حركة حماس تهيئ قواعدها بالحديث المتكرر عن وجوب تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الفصائل والحركات الفلسطينية؛ باعتبارها السبيل للخروج من أزمتها السياسية بعد ذلك اليوم المشؤوم، الذي أصبح سببا رئيسيا في العصف بقطاع غزة، فحوّله إلى ركام فوق جثث أكثر من سبعين ألف فلسطيني، فضلاً عن جرحى لا يجدون علاجهم، ومفقودين لا يُعرف مصيرهم، ومشردين يقطنون الخيام في ظل أجواء شتوية قارسة البرودة، وتعنت يميني إسرائيلي متطرف يرى في إبقاء الأوضاع على حالها أفقا لتحقيق انتصار في الانتخابات المقبلة.
لا يمكن الخوض في مصالحة بين الفصائل والحركات الفلسطينية دون مراجعة سياسية شاملة ومتعددة المسارات، تفضي إلى محاسبة حقيقية تدفع نحو محاكمات وطنية أمام هيئات ومحاكم مختصة تبحث في مدى قانونية ما جرى من قرارات قبيل هجوم السابع من أكتوبر، ذلك الهجوم الذي ألقى بمصير أكثر من مليوني فلسطيني في جحيم الحرب والصراع، خدمةً لأجندات إقليمية باتت بحكم الواقع منتهية.
هناك جزئية مسكوت عنها في جريمة مستشفى المعمداني يوم 17 تشرين الأول – أكتوبر 2023، والتي راح ضحيتها العشرات من الفلسطينيين بين قتيل وجريح بفعل صواريخ حركة الجهاد الإسلامي “منتهية الصلاحية”، بحسب تقارير دولية معتمدة، مقرونة بنشر إسرائيل اعترافا مصورا لأحد عناصر الحركة. في ذلك الوقت، كانت المطالبة بتحقيق دولي يكشف حقيقة الأمر ضربا من المستحيل، لكن اليوم تهيأت الظروف لفتح العديد من الملفات كمقدمة لكشف الحقائق التي تريد بعض الأطراف دفنها للهروب من المسؤولية الوطنية.
ومن هنا، يتوجب مجددا مطالبة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بضرورة تقديم طلبات قضائية إلى منظمة الإنتربول الدولية (النشرة الحمراء)، لاعتقال قادة ميليشيا الجهاد؛ تمهيدا لمساءلتهم ومحاكمتهم أمام محاكم وطنية فلسطينية. وينطبق الأمر ذاته على عناصر حركة حماس وقادتهم، إذ لا يُعقل أن يعبث بضعة أفراد من فصيل أو حركة بمصير شعب بأكمله تحت صخب شعارات جوفاء عن المقاومة والفداء والتحرير، وهم لا يملكون مقومات العمل العسكري المنضبط أو القدرة على حماية أرواح شعب أعزل استيقظ صباحا ليجد نفسه فجأة أمام حرب لم تُبقِ حجرا على حجر في القطاع.
الحقيقة التي ينبغي تثبيتها في المشهد السياسي الفلسطيني اليوم هي ضرورة نزع سلاح الميليشيات في غزة؛ كمطلب فلسطيني قبل أن يكون مطلبا إقليميا أو دوليا. ويجب أن يسير هذا المسار جنبا إلى جنب مع الدفع نحو محاسبة ومحاكمة مرتكبي ما نتج عن العبث السياسي والعسكري، الذي يرتقي إلى درجات الخيانة الوطنية الفلسطينية، حتى لا تتكرر هذه الأفعال التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت أعدادا تفوق ذلك بكثير.
