الموت شعرا .. إطلالة علي خيمة محمد الذهبي في غزة
ناصر البدري
أمد/ الموت شعرا هو ما نقراه في هذه النصوص التي تصف ما يحدث في خيام النازحين في غزة المحاصرة بالرعب تحت وطأة القذف، الخيام التي تحتضن بصدر ممزق وسط تناثر أشلاء البشر والبيوت، أرواح النازحين شديدة البؤس التي يعتصرها الجوع والمرض والخوف في انتظار خلاص ليس له أمارات او موت يبدو محققا.
يصلنا في القاهرة وعبر معرض القاهرة الدولي للكتاب ومن خلال دار أم الدنيا صوت وصورة هذا الموت محمولا بين دفتي كتاب، ديوان "الثامنة بتوقيت الموت" للشاعر الفلسطيني محمد الذهبي الشاعر الشاب المحتجز في سجن غزة الكبير تفصله عن الدنيا بوابات عديدة إحداها تفصله عن زوجته وأولاده في الأسكندرية وأخرى تفصله عن عن أمه في رام الله ، في حين تفصله غزة نفسها المحاصرة والمهددة بالفناء عن العالم وعن الحياة.
يرسل للقاهرة او قل للعالم عبر القاهرة عملاً أدبياً يوثق تجربة النزوح والحرب في يوميات أو " هوامش من رحم النزوح" تلامس التفاصيل اليومية البسيطة والمؤلمة لما يعيشه النازحون في أنحاء غزة.
في اولي عتبات النص يأتي العنوان "الثامنة بتوقيت الموت" ليوحي بزمن محدد يتكرر فيه الفقد، وهو ما يفسره النص الذي يصف النزول إلى "القبو" في الثامنة مساءً للهروب من القصف، حيث يتحول القبو إلى "قبر جماعي" ينتظر فيه الجميع الموت.
يبدأ الديوان في الاستهلال بصدمة الاستيقاظ في الخيمة، يصف الشاعر الخيمة بأنها "باب قماشي" وسط الركام، حيث يتحول حبل الغسيل في عين النازح إلى "حبل مشنقة" يلتف حول عنقه بمجرد فتح عينيه على صباح جديد مثقل بالدموع.
وفي المفتتح يبدأ بصرخة "أنا إنسان"، كإعلان للهوية في وجه آلة الحرب التي تحاول سحق الآدمية، ثم تستمر مقاطع المفتتح من "خيمة تموز" الي "أمل" مرورا "بماراثون البرتقالة" و "وليمة في زمن المجاعة" و "لا تخبروهن الحقيقة" ليؤسس لنا ما يمكن تسميته بأدب النزوح أو أدب الخيمة، ففي "خيمة تموز" يصف الشاعر الخيمة ككيان هش يقتل الأمل، فهي تارة "تحت الصخر" وتارة "تحت الركام" نرى التفاصيل المنهكة مثل حر تموز الشديد و ندرة المياه، والاعتماد على "زجاجة بلاستيكية" كرفيق وحيد او كمنقذ وحيد.
تظهر "البرتقالة" في قصيدة "ماراثون البرتقالة" كرمز للرفاهية المفقودة حيث يشتريها بسبعة دولارات ويخبأها في ثيابه "كلص هارب" خوفاً من أعين الأطفال الجوعى، ثم تعتصر قلوبنا معه في "وليمة في زمن المجاعة" بعدما نستشعر معه الألم النفسي في مشاركة الآخرين الطعام عندما يفكر " كم إنسان في مدينته البائسة يشتهي هذا الطعام" الذي يوصفه علي بساطته بـ "الفاحش" "وكم طفل يعتصر قلبه الجوع" وكم أب عقر قلبه العجز أمام صغاره الجوعي" و" كم أم حرمت نفسها من نصف رغيف بدعوى أنها لاتشعر بالجوع عله يقيت أحد اطفالها " ليذكرنا بعد كل هذا الألم بأن هذا العشاء المسروق من بين أعين الجوعي ربما يكون "العشاء الأخير" قبل أن تفقأ أصابع شيطان الحرب أعين المدينة بكل من فيها من جوعي وسارقي اللقيمات من النجوم الذابلة علي حد سواء.
أما في في "لا تخبروهن الحقيقة"، ننتقل من وصف المعاناة المادية الظاهرة إلى عمق المعاناة النفسية والأخلاقية التي يعيشها النازح تجاه عائلته، هذا النص تحديداً هو قلب هذه اليوميات، لأنه يكشف عن "تزييف الواقع" كآلية دفاعية لحماية الأحبة من الألم، ليأتي الكذب بوصفه "فعل حب"، و يركز النص على المفارقة بين ما يعيشه الشاعر فعلياً في مراكز النزوح وبين ما ينقله لزوجته وأمه البعيدان، فمن خلال التفاصيل التي تشرح المأساة التي يحاول إخفاءها نشاهد مشاركة المكان مع الفئران، الأكل والشرب بأيادي قذرة، الأطباق الجماعية التي ترمز لفقدان الخصوصية، حيث يتحول الإنسان إلى مجرد يد في طابور الطعام. في مقابل ذلك يريد الشاعر أن تظل صورته في عين امه و زوجته كـ "رجل" كامل الكرامة والوسامة، لا كـنازح محطم " قولوا لأمي إنني آكل ما أشتهي" ولزوجته "أخبروها أنني غدوت جديداً.. بشوش الوجه راضي القلب" فلم يعد الخوف هنا على جسده ولا حتى علي حياته، بل على "صورته" التي تفتتها الحرب يوماً بعد يوم.
هذا كله فقط في المفتتح قبل أن تنفجر النصوص بعده لتروي التجربة الإنسانية المؤلمة والمرعبة تحت الحصار والقذف.
ويبدا ب "ليل لا ينتهي" حيث ثقل الزمن فيصور الشاعر الليل في غزة ككيان "آثم" وممتد لا يعرف النهاية، حيث تتحول الليلة الواحدة بفعل الخوف والترقب إلى ما يعادل ألف ليلة من القلق، ليل تبتلع فيه العتمة السكينة والأحلام، ليصبح الليل ساحة لمواجهة المصير المجهول، و حساب الساعات يتم من خلال دقات القلوب المرتجفة التي تنتظر الصباح كأنه معجزة بعيدة المنال، باختصار هو نص يوثق "الاستنزاف النفسي" الذي يمارسه الليل على النازح، حيث يصبح البقاء حتى الفجر بحد ذاته انتصاراً شاقاً ومعجزا.
ولكون المأساة هائلة ونصوص الديوان كثيرة، (واحد وخمسون نصا) تروي تفاصيل هذه المأساة الممتدة، فلا يسع هذه المساحة تناولها جميعا، لذا سأترك هذا لدراسة أوسع ربما قمت بها أنا أو غيري من النقاد، وسأكتفي بالنظر سريعا في خمسة نصوص تحاول أن تعطينا ملخصا لكل من رحلتي الديوان والدمار والموت في غزة معا، حيث تأخذ القارئ في رحلة تبدأ من الدمار في (رماد)، ثم الضياع النفسي في (سواد)، ثم الواقع المؤلم المعاش في (الثامنة بتوقيت الموت)، ثم الضحايا الأبرياء في (عائشة)، وصولاً الي ما تنتهي به الرحلة من (بقايا).
فنجد "رماد" نص يوثق "جغرافيا الفقد"حيث يصف الشاعر تحول البيوت والذكريات والصور المعلقة على الجدران إلى كومة من الغبار والعدم. الرماد هنا ليس بقايا احتراق فقط، بل هو رمز لضياع الملامح الشخصية للأشياء التي كانت تشكل "معنى" لحياة الإنسان قبل الحرب.
ويأتي "سواد " ليعمق حالة الاغتراب داخل العتمة، والسواد هنا ليس غياباً للضوء فحسب، بل هو ستار يحاول الشاعر من خلاله مداراة ندوب الروح وهزال الجسد. هو نص يربط بين سواد الواقع وسواد المصير الذي يتربص بالنازح في كل لحظة.
أما "الثامنة بتوقيت الموت" فهو "النص المركزي" الذي يحمل اسم الديوان.
