الطريق إلى قيام الدولة الفلسطينية…

تابعنا على:   13:48 2026-01-18

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ كشف مؤخرا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، عبر أربع أوراق تفصيلية، عن مخطط متكامل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، يبدأ من قطاع غزة ويمتد لاحقًا إلى الضفة الغربية، تحت عنوان يوحي بالحل: الطريق إلى قيام الدولة الفلسطينية.
غير أن القراءة النقدية المتأنية لهذا المخطط تُظهر أنه لا ينطلق من منطق إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل من إعادة هندسة الواقع الفلسطيني بما يخدم أولويات الأمن الإسرائيلي، ويعيد إنتاج السيطرة بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية “ناعمة”.
يقوم المخطط على عقيدة مركزية هي “الأمن أولًا”، حيث يُشترط نزع السلاح الكامل من قطاع غزة، وتفكيك جميع التنظيمات المسلحة، وفرض منظومة رقابة مالية وأمنية دولية، كمدخل إلزامي لأي إعادة إعمار أو مسار سياسي.
وبهذا، يتم اختزال جوهر القضية الفلسطينية، كقضية تحرر وطني من احتلال عسكري استيطاني، في مسألة “ضبط أمني” داخلي، متجاهلًا حقيقة قانونية راسخة في القانون الدولي، وهي حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته، وحقها غير المشروط في تقرير مصيرها.
يطرح المشروع ما يسميه “دولة فلسطينية منزوعة السلاح ذات سيادة محدودة”، وهو توصيف يحمل تناقضًا جوهريًا.
فالدولة، وفق قواعد القانون الدولي، لا تكون دولة دون سيادة حقيقية على الأرض والحدود والأمن والموارد.
أما الكيان المقترح، فيُحرم من السيطرة على أمنه وحدوده، وتُدار موارده عبر صناديق دولية خاضعة للرقابة، وتُشرف على مؤسساته قوى خارجية، مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل الأمني.
وبذلك، لا نتحدث عن دولة مستقلة، بل عن كيان إداري وظيفي موسّع، أقرب إلى إعادة إنتاج نموذج “الحكم الذاتي” بصيغة أكثر تعقيدًا.
الأخطر في هذا المخطط أنه يحوّل الحقوق الوطنية الفلسطينية من حقوق قانونية ثابتة، أقرتها قرارات الأمم المتحدة، إلى “مكافآت سياسية مشروطة بالأداء”. فالاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يأتي بوصفه استحقاقًا نابعًا من قرارات الشرعية الدولية، بل توصية أمريكية محتملة لمجلس الأمن، مرهونة بمدى التزام الفلسطينيين بشروط نزع السلاح، ومكافحة ما يُسمى “التطرف”، والانخراط في ترتيبات إقليمية، من بينها التلويح بالانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”.
كما يكرّس المشروع نموذج الوصاية الدولية، عبر شبكة معقدة من الهيئات: مجلس سلام دولي، قوة استقرار متعددة الجنسيات، مركز تنسيق عسكري بقيادة القيادة المركزية الأمريكية، وصناديق مالية خاضعة لرقابة البنك الدولي. وبهذا، تتحول غزة ثم الضفة الغربية إلى مساحة مُدارة دوليًا، تُهمَّش فيها الإرادة الوطنية الفلسطينية، ويُعاد تعريف دور السلطة الفلسطينية كجهاز إداري وأمني ينفّذ الشروط، لا كقيادة سياسية تمثّل تطلعات الشعب الفلسطيني.
يتجاهل هذا المخطط بشكل واضح الإجماع العربي والإسلامي والدولي حول حل الدولتين، ويتجاوز مرجعياته الأساسية، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية، التي تنص بوضوح على الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود الرابع من حزيران 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما يتغاضى عن حقيقة سياسية وقانونية بالغة الدلالة، وهي أن 159 دولة حول العالم اعترفت بدولة فلسطين باعتبارها حقًا قانونيًا ثابتًا، لا منّة إسرائيلية مشروطة.
خلاصة القول، إن ما يطرحه معهد الأمن القومي الإسرائيلي ليس خارطة طريق لإنهاء الصراع، بل محاولة لإدارته وإعادة إنتاجه بأدوات أقل كلفة على الاحتلال، وأكثر قابلية للتسويق إقليميًا ودوليًا.
إنه مشروع إخضاع سياسي وأمني مغلّف بلغة الإصلاح والتنمية، يتناقض مع القانون الدولي، ومع قرارات الأمم المتحدة، ومع مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة. فالدولة الفلسطينية ليست مشروعًا أمنيًا مشروطًا، بل حق وطني وقانوني لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
دون ذلك، ستبقى هذه المخططات وصفات لإدامة الصراع، لا حلولًا حقيقية لإنهائه.

اخر الأخبار