دور الرئيس ياسر عرفات في تجذير الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية المعاصرة

تابعنا على:   13:29 2026-01-09

د. صالح الشقباوي

أمد/ لم تكن القضية الفلسطينية، في لحظة من لحظات التاريخ الحديث، معطىً جاهزاً أو واقعاً طبيعياً مستقراً، بل كانت دائماً مهدَّدة بالغياب، والنفي، والاقتلاع من دفاتر التاريخ. بعد نكبة 1948، لم يكن الفلسطيني مهدداً فقط في أرضه، بل في وجوده الرمزي والأنطولوجي؛ في اسمه، وسرده، وذاكرته، وهويته.

في هذا السياق المأساوي، برز ياسر عرفات (أبو عمار) ليس فقط كقائد سياسي أو ثوري، بل كـ مؤسس للكيانية الفلسطينية المعاصرة، وأبٍ روحي وفلسفي للقضية الفلسطينية، أعاد بها فلسطين من العدم إلى الوجود، ومن الهامش إلى مركز التاريخ.

أولاً: من العدم إلى الوجود – إعادة فلسطين إلى التاريخ

بعد النكبة، تحوّل الفلسطيني إلى “لاجئ” بلا اسم سياسي، وبلا تمثيل، وبلا مشروع وطني جامع. كانت فلسطين مهددة بأن تتحول إلى ذكرى جغرافية بلا شعب، وإلى قضية إنسانية بلا مضمون سياسي.

جاء مشروع ياسر عرفات ليُحدث القطيعة الوجودية الكبرى:

أعاد تعريف الفلسطيني بوصفه شعباً لا لاجئاً.

أعاد فلسطين إلى التاريخ بوصفها قضية تحرر وطني.

حوّل الهوية الفلسطينية من حالة انتظار إلى حالة فعل ونضال.

بهذا المعنى، لم يكن أبو عمار زعيماً فقط، بل كان فاعلاً أنطولوجياً أعاد للفلسطيني مرآة وجوده، بعد أن أُخرج قسراً من دفاف التاريخ.

ثانياً: ياسر عرفات كفيلسوف للقضية الفلسطينية

لم يتعامل أبو عمار مع القضية الفلسطينية كملف سياسي تقليدي، بل كـ أزمة وجودية شاملة، صراع على:

المكان

الاسم

المعنى

والشرعية التاريخية

أدرك مبكراً أن الصراع بين فلسطين وإسرائيل ليس صراع حدود فقط، بل صراع بين:

فلسطين تقول عن فلسطين: هي فلسطين

وإسرائيل التي استبدلت فلسطين بنفسها

هنا يتجلى وعيه العميق بجدل:

حقّ القوة مقابل قوة الحق

ففي مقابل المشروع الصهيوني القائم على القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع، أسّس أبو عمار مشروعاً يقوم على:

الشرعية التاريخية

العدالة الأخلاقية

الحق الطبيعي في الأرض والوجود

ثالثاً: من النسبي إلى المطلق – عبقرية التحويل الوطني

تميّز مشروع ياسر عرفات بقدرته الفريدة على تحويل:

الوقائع النسبية

التوازنات المؤقتة

الضغوط الإقليمية والدولية

إلى ثوابت وطنية مطلقة:

فلسطين كوطن غير قابل للمحو

الهوية الفلسطينية كحقيقة تاريخية

الشعب الفلسطيني كفاعل سياسي لا كضحية صامتة

لم يكن ثابتاً جامداً، ولا براغماتياً انتهازياً، بل مارس براغماتية وطنية أخلاقية، تحافظ على جوهر القضية دون التفريط بها.

رابعاً: بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية

ساهم أبو عمار في ترسيخ الكيانية الفلسطينية عبر:

تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كـ بيت معنوي للشعب الفلسطيني

توحيد الشتات الفلسطيني حول هوية وطنية جامعة

خلق رمزية وطنية جامعة (الخطاب، الكوفية، الحضور، الشخصية)

لقد جسّد فلسطين في شخصه، حتى بات الفلسطيني يرى ذاته في صورته، وصار وجوده السياسي امتداداً لوجود الشعب نفسه.

خامساً: أزمة التفاوض – تفكيك المستحيل

واجه ياسر عرفات واحدة من أعقد الأزمات في التاريخ السياسي العربي:

مفاوضة عدو ينكر وجودك

في ظل نظام دولي منحاز

وواقع عربي عاجز أو متواطئ

تعامل مع التفاوض بوصفه:

ساحة صراع أخرى

لا بديلاً عن المشروع الوطني

ولا تنازلاً عن جوهر الهوية

فلم يكن التفاوض عنده نقيضاً للنضال، بل شكلاً من أشكاله، ضمن معادلة الحفاظ على الكيانية الفلسطينية حاضرة في الوعي الدولي.

سادساً: الاستشراف – لماذا يظل مشروع أبو عمار حياً؟

اليوم، ومع تصاعد محاولات شطب القضية الفلسطينية، يتضح أن:

غياب ياسر عرفات لم يكن غياب شخص

بل غياب نموذج كياني جامع

ومع ذلك، فإن مشروعه ما زال:

مرجعية للهوية الوطنية

معياراً للشرعية

وسقفاً أخلاقياً وسياسياً لأي حل عادل

خاتمة

لم يكن ياسر عرفات مرحلة عابرة في التاريخ الفلسطيني، بل كان المرحلة المؤسسة.

ولولا مشروعه، لربما تحولت فلسطين إلى جغرافيا بلا شعب، أو ذاكرة بلا مستقبل.

لقد أعاد فلسطين إلى الوجود،

وأعاد الفلسطيني إلى ذاته،

وأثبت أن قوة الحق، مهما طال الزمن، أقوى من حق القوة.

اخر الأخبار