الإمبريالية في أبشع صورها

تابعنا على:   16:33 2026-01-07

دينا نايف جربوع

أمد/ في عالمٍ يُفترض أنه تجاوز منطق الاستعمار التقليدي، ما زالت الإمبريالية تمارس أبشع أشكالها، ولكن بوجوه جديدة وأدوات أكثر دهاءً. فالهيمنة الأمريكية المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على الاحتلال العسكري المباشر، بل اتخذت من الاقتصاد، والسياسة، والإعلام، والعقوبات، والحروب بالوكالة وسائل لإخضاع الدول، خصوصًا في الوطن العربي وأمريكا اللاتينية.

لقد أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الأبرز في إعادة تشكيل مصائر الشعوب، وفق مصالحها الاستراتيجية، غير آبهة بالقانون الدولي ولا بحقوق الإنسان التي تتغنى بها في خطابها السياسي. ويتجلّى ذلك بوضوح في أكثر من ساحة، لعلّ أبرزها حرب غزة، حيث تُقدَّم أبشع صور الانحياز الإمبريالي.

في غزة، لم تكن الولايات المتحدة مجرد مراقب، بل شريك مباشر في العدوان، من خلال الدعم العسكري والمالي والسياسي اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي. فالصمت الأمريكي عن المجازر، واستخدام الفيتو لإجهاض أي قرار دولي يطالب بوقف العدوان، يكشف زيف الشعارات الإنسانية، ويؤكد أن دماء الأبرياء تصبح بلا قيمة حين تتعارض مع المصالح الإمبريالية.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في أمريكا اللاتينية، حيث تتجلى الهيمنة الأمريكية في محاولات إسقاط الأنظمة التي ترفض الخضوع. إن اعتقال رئيس فنزويلا السابق (أو ملاحقته وفرض العقوبات القاسية على بلاده) يعكس سياسة العقاب الجماعي لكل دولة تحاول انتهاج قرار سيادي مستقل. فالعقوبات الاقتصادية التي تُفرض باسم “الديمقراطية” لم تؤدِّ إلا إلى تجويع الشعوب وزيادة الفقر، بينما بقيت النخب الموالية لواشنطن بمنأى عن المعاناة.

أما في لبنان، فقد لعبت الإمبريالية الأمريكية دورًا خطيرًا في تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية، عبر التدخل في الشؤون الداخلية، وفرض الإملاءات المالية، وربط أي دعم خارجي بشروط سياسية تمسّ السيادة الوطنية. لقد تحوّل الشعب اللبناني إلى رهينة صراعات إقليمية ودولية، تُدار خيوطها من خارج الحدود.

وفي سوريا، تجسدت الإمبريالية الأمريكية بأوضح صورها من خلال الحرب الطويلة، ودعم أطراف مسلحة، وفرض عقوبات خانقة تحت مسمى “قانون قيصر”، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية، وانهيار الاقتصاد، ودفع ملايين السوريين نحو الفقر واللجوء. وكل ذلك جرى تحت غطاء “نشر الديمقراطية”، بينما الواقع يؤكد أن الهدف الحقيقي هو تفكيك الدولة وإضعافها.

إن تأثير الإمبريالية الأمريكية على دول الوطن العربي لم يقتصر على الحروب المباشرة، بل امتد ليشمل تفتيت المجتمعات، وإشعال النزاعات الطائفية، وإضعاف الهوية الوطنية، وربط اقتصادات الدول النامية بمراكز القرار في واشنطن. وهكذا تُدار المنطقة كرقعة شطرنج، تُحرّك فيها الشعوب كأدوات لا كأصحاب حق.

في الختام، يمكن القول إن الإمبريالية الأمريكية اليوم هي امتداد حديث لاستعمار قديم، لكنه أكثر قسوة وخطورة، لأنه يتخفّى خلف شعارات براقة. وما لم تعِ الشعوب حقيقة هذه الهيمنة، وتعمل على تعزيز وعيها ووحدتها، ستبقى تدفع ثمن صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل. فالتاريخ يثبت أن الإمبراطوريات تزول، لكن كلفة صمت الشعوب قد تكون باهظة.

اخر الأخبار