آسيا وافريقيا في استراتيجية "ترامب" 3/4
رامز جبارين
أمد/ شكّل عنواني آسيا وافريقيا في وثيقة استراتيجية الأمن القومي وفق رؤية الرئيس "ترامب" موضع اهتمام واضح من حيث التركيز على كيفية التعاطي معهما، وتحديداً الصين التي تتمدد اقتصادياً وتجارياً وتكنولوجياً. وبالتالي كيف تنظر إدارة الرئيس "ترامب" إليهما، الأول آسيا بعنواني الصين والهند. والثاني، بعنوان شرق افريقيا.
استراتيجية "ترامب" للأمن القومي، اعتبرت الصين محوراً أساسياً في وثيقتها وهي التي أتت على ذكرتها (23) مرة. ترى فيها نداً ومنافساً اقتصادياً قوياً، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية أمام تحديات متعاظمة، بعد أن ارتكبت الإدارات السابقة وبسبب القصور في النظرة الاستراتيجية حيث أدت، أولاً، إلى إفساح المجال أمام الصين لكي تصبح جزءاً في منظومة التجارة العالمية. وثانياً، فإنّ الأمر الأول قد منْح الصين نموِّاً اقتصادياً وتكنولوجياً غير مسبوق ضاعف من ثروتها ونفوذها. وأتاح لها أن تنفذ إلى الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الأمريكية نفسها. وعليه وجدت الوثيقة أن لا مفر من العمل على تطويق الصين عبر تحالفات وشراكات أسيوية، وتحديداً مع "كوريا الجنوبية واليابان"، اللتان دعتهما الوثيقة إلى مزيدٍ من رفع موازناتهما العسكرية وقدراتهما التسليحية، والعمل على حماية "تايوان"، في مواجهة الهيمنة من خلال ما تسعى إليه الصين من بسط نفوذها وسيطرتها على "تايوان". التي ترى فيها الوثيقة منطقة ارتكاز استراتيجية، لما تمتلكه من إمكانيات وقدرات في الصناعات التكنولوجية التي تتصل بالرقائق، هذا أولاً. أما ثانياً، فإنّ ما يقرُب من ثلثي الشحن البحري يمر عبر بحر الصين، والسيطرة على "تايوان" سينعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي. والمحصلة التي تهدف إليها الوثيقة هي إيجاد توازنات اقتصادية وتجارية مع الصين، مع التأكيد في الإبقاء على تفوقها العسكري والتكنولوجي.
أما الهند وهي العنوان الثاني في آسيا، من حيث الموقع والإمكانيات والقدرات الاقتصادية الكبيرة، والأولى في عدد سكانها (1,44 مليار) في مقابل الصين (1,42مليار). لذلك نظرت إليها الوثيقة الاستراتيجية من خلفية أنّها قوة صاعدة في آسيا وفي مقدورها ومن خلال الشراكة الأمريكية معها، قد يُمكّنها ويُمكّن الأخيرة، أي الولايات المتحدة الأمريكية من الوقوف أمام التحديات التي تفرضها الصين. ولكن في ذات الوقت الذي تسعى إليه إدارة "ترامب" لتطوير علاقاتها مع الهند من موقع الشريك في إعادة لما أسمته الوثيقة "التوازن". ذاته الرئيس "ترامب" في بداية ولايته الحالية فرض رسوم وقيود جمركية وتجارية على الهند. مما من شأنه ألاّ تتمكن إدارة الرئيس "ترامب" من تحقيق دفع الهند إلى الانخراط عميقاً في تحالفات لمواجهة الصين، على الرغم أنّ عدداً من الملفات الخلافية بينها وبين الصين. وللتذكير أنّ الهند والصين مؤسسة لمجموعة "البريكس" منذ العام 2009، ومعهما البرازيل وروسيا.
وفيما يتعلق بإفريقيا وتحديداً ما يقع في شرقها، فنظرة إدارة الرئيس "ترامب" لها من خلال الوثيقة، هو التأكيد على الشراكة الاقتصادية والتبادل التجاري معها، واستثمار القدرات الكامنة في هذه المنطقة لما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة. نظرة الوثيقة غلّفتها وعلى عادتها، بمساعيها السلمية والإنسانية الداعية إلى فض النزاعات بين دولها وشعوبها، واحلال الاستقرار السياسي مكان تلك النزاعات، وهي بعيدة كل البعد عن هذا المنطق، لأنّ ما يدفعها للتحرك هي تأمين مصالحها ولو على حساب حلفائها التقليدين. وهذا ما سنأتي على تناوله فيما ذكرته وثيقة "ترامب" لاستراتيجية الأمن القومي حول النظرة لأوروبا وحلف "الناتو".
