ذاكرة ناجية من الطوفان

دعوني اطرق معكم ابواب الجمعة قبل ان يغرقها الطوفان

تابعنا على:   10:43 2025-11-28

أماني عطا زعرب

أمد/ لكل منا ذكريات تآبى ان تغادر مخيلته كلما لاح في الافق نافذة التذكر نهرع اليها فرحين، كطفل يطلق زفرة ارتياح في حضن امه بعد فقد طويل وشاق...
الجمعة التي نلتصق بها بجدار البيت المتين وغرفه المضيئة الدافئة ومطبخه الذي لا تغلق خدماته حتى النفس الاخير وحمامه الذي يصحبك في رحلة الارتياح والاغتسال من مشاق يوم عمل كامل ويبعث بك نشاط وتفاؤل صبح جديد، وساحاته التي كنت تمل من البحث فيها عن وردة جورية او زهرة برية  اخري من الكازانيا او التواليب او القرنفل او اللانشواي وتمد يديك بين طيات الاصاصيص لتقطف وردة تمايلت اليك غنج وجمال واغرتك لملامستها بعشق ودلال وتمر بجانب السيكس خوفا من اختباء ورقة خريفية لشجرة التوت العملاقة في بوابة بيتنا بجوارها ليلة القدر والتمر حنة ويخطفك السيزينيوم للبحث عن ثمرة مختبئة من قطاف طفل مضيوف على مائدة المجلس الخارجي وتمر تمر بين النخل المروبي وعصفورة الجنةوالبخور والبامبو والمنتور والغزاوي والخيزران والعطرة والوردشان و الساقيصلي والختمية وغيرهم الكثير لتقف بجانب الصبارات مبتسما منتشيا،  هناك من يشبهك بالحياة ! انها الصبارات التي حملتها من مكان بعيد لترسو في ميناء حديقتك تمنحك الدفء والصبر والرحمة وطولة البال والتفكر طويلا بكل شيء في يومك الماضي والقادم تشارك الفرح الدائم للحياة وحين تتعمق في حديقتك التي كان لها نصيب الاسد من الاهتمام و الجمال والمتعة المصحوبة بالحب المعتق بصوت فيروز الصباحي وزقزقة العصافير الملونة وصخب اطفال المدارس ذهابا واياب وصدح كمنجات الاحبة في السهرات  حتى الجذور وطوش المباريات وزعيق المناوشات تخطفك الذاكرة لتنآى بك من بطش الوجع المحمل بأتربة الخيام ورائحة البارود المزيلة باوجاع المكلومين والثكالي....
 لتاخذك الى مأمنك الدافي ليتسني لك استرجاع آدميتك التي خطفت تحت وطأة الغرق في موبقات ما اقترفت ايدى العابسين بحياتنا..رويدكم لقد انضممت مثل الكثيرات الى قافلة الارامل ارامل الفرح المؤقت المستسلمين،  مرغمة يا احبائي وما اقسى هذا الارغام الذي سلب مني الهديئة والسكينة والانفة والمنزل والدفء والعاطفة حتى جار على كل ما امتلكت يوما لقد غادرنا الحب ومعه كل معنى للحياة. حتى ان جمال التفكر لا يطول طويلا ، عنوة يخطفك الوجع لتصحو على واقعك المرير..
  الجمعة في خيام الظلام لا تشبه الا نفسها بائسة حزينة قاتمة موشحة بالسواد والنواح لا نور فيها جمعة بشعة حالكة قاهرة مغيثة وظالمة لا معنى فيها للحياة تجاهد فيها  كثيرا وتكابر وتتعالى  وتترفع لتصنع فرقا يغرقك الفقد اكثر في الحنين لكل شيء اذ لا يوجد في الخيام الا شيء واحد مصحوبا بكل شيء من الفقدان الظلم الساكن جوانب خيمتك.."خيبتك"
لا بيت لا جدران لا دفء لا عائلة متكاملة لا اغطية لا اسرة لا مطبخ لا حمام لا ضحك لا جمعة لا ضيوف لا احباب لا سعادة تطرق ابوابنا،  في جزيرة الخيام لا ابواب فيها لاشيء هناك صالح لطبيعة الحياة سوى الوجع الذي  يرتاد جميعنا راغما ايانا التأقلم والرضى مصاحبا لنا في كل حين....
انها الجمعة في خيام الظلام لا شيء فيها سوى الوجع والغرق ثم الغرق ثم الغرق ونحن في شتاء جديد ...سادعوكم يوما لنلتقي في اروقة اوراقنا الناجية  لنعيش معا يوما شتويا في خيام الظلام......
جمعة طيبة لمن يقرأ لي ولمن أحب ..

اخر الأخبار