مقام المقال ... غزة لا تنام
د. سامي محمد الاخرس
أمد/ كثيرا من الأحيان تحاول مباغتك نفسك باختيار طريقة ما مختلفة لكتابة تحليل أو رؤية أو تقدير موقف، ولكنك تقف أمام حالات معينة مذهول من كم المتغيرات والمتحولات السريعة والمتلاحقة التي لا تستطيع قرائتها وفق العلوم السياسية ونظرياتها، أو خبرتك ورؤيتك، فما الحال أن كان الحال متعلق بغزة؟!
غزة تلك البقعة السحرية التي أذهلت العالم بتطورات احداثها، ومتلازمتها الخاصة ( متلازمة غزة) التي تحتاج إخضاعها للمختبر السياسي على أعلى درجاته المتقدمة، فلا يمكن إخضاعها وفق رؤية تقليدية أو وفق رؤية سياسية تخضع لمعايير النظريات السياسية التقليدية.
منذ سبعة عشر عام ونيف سيطرت حركة حم/اس على مقاليد السلطة في قطاع غزة وفق أغرب عملية سيطرة عنفية شهدها التاريخ، ليس لمقياس العنف بل لمقياس حالة النظام السياسي الذي كان مفتون ومنبهر بمقاومة الاحتلال، ومحاولة استحصال اي حقوق فلسطينية، وبعدما انقلب الاحتلال على مشروع (أوسلو) ونفض يده منه وبدأ يقوض أركانه ومنطلقاته التي وقعها( رابين ـ عرفات) والاثنان تم تصفيتهما كمقدمة لتصفية المشروع. من هنا أطلقنا على سيطرة حم/اس على غزو بأنه اغرب سيطرة عنفية بالتاريخ. ومن ثم استطاعت حم/اس استجماع معظم القوى الفلسطينية المؤمنة بالكفاح المسلح على مائدتها وتحت جناحيها لتترك انطباعا بأنها تقود تشروع نقيض على الارض، وبدأت ملامح عمليات اعداد لمشروع غامض غير واضح الملامح، وخاضت عدة معارك سريعة ( ديلفري) مع الاحتلال تحت العديد من المببرات، والتي من خلالها صدرت للرأي العام الفلسطيني والعربي أنها تسعى لمشروع تحرير متكامل الاضلاع اختتمته بمؤتمر (وعد الآخرة) التي بموجب وزعت مهام التحرير المتكامل، ومهام المستقبل الفلسطيني بدون احتلال، وبدون كيان صهيوني، مما جمع حولها علامات الاعجاب والتعجب معا.
هذه المقدمة الاختصارية المقتضبة، هي مؤشر على ما حدث فيالغ السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ واقتحام قوات القس/ام لمستوطنات الغلاف ـ كما يطلق عليهاـ وأسر العشرات من جنود الاحتلال ومستوطنيه، وما تبعها من اقتحام عشوائي، وحالة فوضى تبدو في ملامحها الأولية بتفسيرين، الاول: أنها كانت حالة صدمة وتحيه من الاحتلال وأجهزته ومؤسساته. السياسية والعسكرية والأمنية، والثاني: حالة مدروسة وعمدية تسارع من خلالها دولة الكيان لتوثيق المشاهد والأحداث بدقة وبشكل احترافي للاستخدام المثالي فيما بعد. وأمام تلك الحالتين توقفت كل مشاهد الرؤية السياسية الفلسطينية سواء لحركة حم/ اس او القوى الاخرى، بل النظام السياسي الفلسطيني برمته، ولم يعد أحد يمتلك أي أوراق يناور بها، خاصة مع تدرج عملية الإبادة الشمولية للبشر والحجر التي شنتها (اسرائيل) من اللحظة الأولى لهذه المعركة، التي بدأت تتدحرج بسرعه لتشل كل أركان (محور المقاومة ) كما كان يطلق عليه، وبدأت تضرب اهم واخطر مفاصله سواء حزب الله اللبناني أو إيران أو سوريا وكذلك العراق واليمن، اي ان كل المؤشرات تؤكد أن التخطيط بهذه الدقة وهذه الشمولية لا يمكن أن يكون وليد تخطيط تكتيكي بعد السابع من أكتوبر، بل هذه خطط عسكرية دقيقة مدروسة بكل تفاصيلها، وتستند لمعلومات استخباراتية دقيقة تحتاج لأعوام لجمعها والتأكد منها، والإعداد للانقضاض عليها بتلك الكيفية التي شاهدناها، وهذا يدركه محللون عسكريون محترفون بأكبر جيوش العالم، القدرة على جمع عمل وإنتاج أجهزة استخبارات وأجهزة أمن وأجهزة عسكرية وصهرها ببوتقة الضربة القاتلة.
تعطلت مفاهيم العمل السياسي، كما تعطلت مقدرات المسؤولية الوطنية، وتقدير الموقف، واتخاذ القرار المناسب في معركة لا مقياس لها إلا ( إبادة شعب) و( إنهاء قضية) ليس على مستوى الحقوق السياسية فحسب وانما على مستوى كل المستويات، وما يؤكد ذلك اعتبار (الأونروا) منظمة غير مقبولة، اي تعطيل خدماتها وهذا يعني سحب مصطلح (لاجئ) وحقوق اللاجئ أو الاعتراف به وهو ذو أبعاد خطيرة جدا وفق المفهوم السياسي والدولي. واستمرت حالة الصدمة والبلادة في النظام السياسي الفلسطيني، وعدم القدرة على المناورة، أو حتى القدرة على أخذ خطوات للامام، بل توقفت كل الخطوات عند السابع من اكتوبر، واللعب بأوراق الأسرى الورقة الثانوية بيد رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو الذي كان يعتبرها ترياق الحياة لاستنفاذ مشروعه، وهو ما تحقق له وفق سياسة خطوة بخطوة.
امام هذا الاستعراض المطول والمستفيض يبقى السؤال الذي نبحث عنه، ونحاول القفز عنه ما هو المستقبل؟
وفق مجريات الأحداث ، واستقراء الحالة، ورغم الهدنة المعلنة منذ ما يقارب الشهر إلا أن الحرب عمليا لم تنته، ولم يسدل الستار عليها، وان كان الرئيس الأمريكي قد أعلن أكثر من تصريح بانتهاء الخرب، الا انها لازالت مستمرة ولكن يتم إدارتها برؤية إسرائيلية وسياسة إسرائيلية لم تقدم للفلسطيني الا اتجاهين:
الاول: خففت الضغط الرسمي والشعبي العالمي الذي تنامى ضدها أمام مشهد الابادة، ولم تعد وسائل الإعلام العالمية تنقل للعالم مشاهد الابادة، وأصبحت الصورة الوحيدة هي صورة البحث عن جثامين رهائن الاحتلال، اي انعكاس المشهد، وتحول الضحية لجلاد والعكس
الثاني: صور ومشاهد قوافل المساعدات اي انتهاء معايير المجاعة التي ابكت العالم أمام صور ومشاهد أوقفت العالم المتحضر أمام مسؤوليلته، وعجزة التام عن نصرة كيانه المدلل ( إسرائيل).
هذان المشهدان رسمهما المخطط الأمريكي بدقة وحنكة سياسية ليقدمهما للعالم كطعم اول ما ابتلعه الا النظام السياسي الفلسطيني الذي فاوض ولم يقرر ولم يتخذ أي قرار الا الموافقة، تحت تهديد ووعيد امريكي.
لم يعد هناك حديث عن مراحل أو حديث عن تقدم في المفاوضات وهي حالة مستفيد منها المنتصر والمهزوم، فكلاهما لهما مكاسب وان كانت غير معلنة لكنها مرئية، وان كان ضحيتها من أصبحوا رواد للشارع (شعب غزة)، الذي لا يمتلك حتى راهن اللحظة اي خيارات إلا أن يسد ضجيج امعائه، ويضمد بعض جراحاته الموجعة، ويبقى النظام السياسي بحالة عجزة وقلة حيلته، غير قادر على اتخاذ أي خطوة للأمام مما يؤكد أنه نظام أصبح مهزوم مفصول عن الرؤية المستقبلية أو القدرة على الاستمرار بقيادة الشأن الفلسطيني، أو استدراك الواقع لمعالجة ما يمكن معالجته، بل سخر نفسه وقواه للبحث عن بقايا جثامين هنا وهناك.
إذن فالرؤية المستقبلية للشأن الفلسطيني تتلخص بالرؤية الأمريكية (الترامبية) وهي رؤية اقتصادية محضة تستهدف واقع اقتصادي محض يعتمد على قرار اسرائيلي لا زال بسير وفق رؤيته الملخصة بالتالي:
اولا: لا تقرير مصير للشعب الفلسطيني، اي لا دولة مستقله لأنها تشكل خطر وجودي على دولة الكيان التي خاضت هذه الحرب كحرب وجودية أخيرة،شعارها إزالة اي تهديد للكيان حاضرا ومستقبلا.
ثانيا: انطلاق عملية انصهار وتطبيع شاملة متكاملة في المنطقة يكون الكيان أحد أطرافها ومؤثراتها.
ثالثا: استمرار مخطط التهجير ليس في غزة فحسب بل وسيكون في الضفة الغربية أيضا.
من هنا فإن الواقع بمآلاته الحالية لا يمكن له أن يدور في رحى معاكسة لما يتم قرائته في رؤية سياسية محاصرة بمحاذير عديدة لا تفهم بعاطفية السياسة، أو القدرة على استنهاض الجانب المعنوي المستند لعمليات تجميلية، ترقيعية لا تغير شيئا.
