قراءة تحليلية بعد عامان على حرب غزة
د.جمال أبو نحل
أمد/ صحيح بأنهُ ما فات مات، ومن مات منا فلن يعود للدنيا، ولن يرجع إلا ليوم البعثِ، والنشُور بعدما تُبعثّرُ القبور ويُحَشرُ العباد للحساب؛ ولكن السعيد من اتعظ بغيره ممن قضوا نحبهم؛ وعمل صالحًِا، وتاب، وأناب، وحاسب نفسهُ في الدنيا قبل أن يُحاسب، وعمِل حِساب لِيوم الحساب، وأعَد لكُل مسألة جواب؛ وخاصةً ممن تولى أمر الرعية وكان يحكم العباد، والبلاد؛ وعمومًا لن يكون في ملك الله عز وجل لما أراد الله، وأمرهُ بين الكاف، والنون كن فيكون. ولكننا بحاجة ماسة لوقفة مراجعة، وجرد حساب مع الذات، وما أحوجنا جميعًا لوقفة نحاسب فيها أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نقُوم بعملية تقويم، وتصحيح لأنفسنا فيما أصبنا، وفيما أخطئنا، وأن نحترم الرأي الأخر ، وخاصة رأى من يعارضنا من أبناء شعبنا الذي دفع ثمنًا باهضًا، وعظيمًا، وكبيرًا، وبحرًا جاريًا من الدماء الزكية، وقدم ألاف الأرواح الطاهرة التي ارتقت للعلياء عند رب الأرض والسماء؛ وخاصة بعد انقضاء عامان على العدوان الصهيوني الوحشي الهمجي النازي، وحرب الإبادة، والتطهير العرقي، ومحاولة التهجير القسري للسكان الفلسطينيين في قطاع غزة؛ وأن لا نقوم بتخوين، وتلفيق تهم العمالة لكل من يخالفكم الفكر، ويقوم بتوجيه النقد لكم، ومن ثم تصفيته. ونبدأ بمراجعة أنفسنا فهل كان قرار مهاجمة مستوطنات غلاف غزة في يوم السابع من أكتوبر من عام 2023م، فيما عُرف "طوفان الأقصى"، والذي اعتبره بداية النكبة الثانية لشعبنا الفلسطيني المظلوم؛ وفي هذا التاريخ تم اقتحام مستوطنات غلاف غزة من كتائب القسام؛ ولم يكن قرارًا فيه أي توافق، وطني، قال تعالى:" وأمرهم شورى بينهم". والظاهر أنه لم يكون قرارًا فلسطينيًا وطنيًا شاملاً، وجامعًا، ولم يكن القرار فيها حتى إجماع فصائلي، أو إجماع حزبي من نفس مجلس شورى قيادة حركة حماس، والذين لم يتم التشاور معهم بهجوم يوم السابع، وحسب كل التسريبات والمعلومات، يتبين أنهم لم يعلم أحد منهم عن ذلك القرار؛ والواضح أنه قرارًا هجوم السابع من أكتوبر تم اتخاذه من ثلاثة من قادة حماس العسكريين هم: " السنوار، والضيف، وعيسى"؛ ويكأن ذلك اتخذ وفق توجيهات ومباركة من أجندة خارجية من " إيران"، وليست ضمن إجماع ووفاق وطني فلسطيني؛ ولا شك أن هناك من المؤيدين والمدافعين من حماس وبعض جماهير الوطن العربي عن السابع من أكتوبر، من أبطال وسائل التواصل الاجتماعي والجهاد الكلامي فقط!؛ ويقدمون مبررات في الرد على من يخالفهم، ومعللين ذلك بذكر بعض آيات من القرآن الكريم وبعض أحاديث نبوية عن الجهاد، والمقاومة، ويقولون أن الأمر تم، وانتهى، ولا نريد العودة للخلف، وأن الاحتلال كان ينوى مهاجمة غزة؛ وكان الهجوم من أجل وقف عجلة التطبيع حسب مبرراتهم الخ...؛ ولكن الحقيقة اننا لا ينبغي لنا أن "نقيس الحلاوة على قدر أسناننا"، وأن نتخذ من بعض آيات القرآن الكريم ما يناسب مزاجنا، ونترك من الذكر الحكيم والسنة النبوية المشرفة ما يخالف مزاجنا، فهناك أدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة وأدلة دامغة تؤكد عكس من يستشهدون ببعض الآيات القرآنية، وهنا يستحضرنا الحديث النبوي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في غزوة الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم ولا تأنبهم علينا"؛ في تلك الليلة شديدة البرد والريح، لم يقم أحد من الصحابة بسبب ما أصابهم من جوع وخوف وبرد، فدعاه النبي، وقال له: "اذهب فادخل في القوم وانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا"، ووعده بأن يكون رفيقه في الجنة؛ والشاهد لا تأنبهم علينا أي الأحزاب، وفي صلح الحديبية أثناء كتابة وثيقة الصلح بين النبي ﷺ وكفار قريش، كتب النبي ﷺ "محمد رسول الله"، لكن سهيل بن عمرو ممثل قريش اعترض قائلاً: "لو نعلم أنك رسول الله ما صدناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله"؛ وكان الرد: أمر النبي ﷺ علياً بأن يمحو كلمة "رسول الله" ويكتب "محمد بن عبد الله"؛ وفي معركة مؤتة في سياق انسحاب الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه كان قرارًا مدروسًا لتحقيق مصلحة المسلمين. فبعد استشهاد القادة الثلاثة (زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة)، أدرك خالد أن مواجهة جيش روماني ضخم يضم مائتي ألف مقاتل من الروم والعرب ستؤدي إلى إبادة الجيش الإسلامي الصغير المكون من ثلاثة آلاف مقاتل؛ وكان رد فعل من بعض الناس في المدينة عند عودة الجيش الإسلامي قالوا عنهم الفرار، وقد أخطأوا في وصف ما حدث، حيث أن ما قام به سيدنا خالد بن الوليد كان تكتيكًا عسكريًا حكيمًا لإنقاذ الجيش من الهزيمة أمام قوة رومانية أكبر، وقد صحح النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم قائلاً: "بل هم الكرار إن شاء الله"؛ أوليس الحفاظ على النساء والأطفال في غزة من الإبادة أمر مطلوب شرعي وتلك أدلة دامغة لذلك ويوجد أدلة شرعية كثيرة جدًا والمقصد من الشريعة الإسلامية حفظ الدين، وحفظ النفس البشرية المسلمة وليس تعريضها لحرب إبادة ضروس وإبادة شاملة. والواضح بعد مضي عامين من نكبة السابع من أكتوبر طوفان أغرق وأحرق غزة أن ما يقارب من نسبة 90% من غزة دُمرت؛ وتوقفت عجلة الحياة، والتعليم و الصحة، وكأن زلزال مدمر ضرب قطاع غزة؛ بحيث أن الكارثة الإنسانية في غزة أكبر من أن تُقاس بالأرقام أو تُختصر في كلمات، ووفقًا للتقارير الميدانية، ربما يتجاوز عدد الشهداء 90 ألفاً لو أخذنا بعين الاعتبار ألاف الشهداء الذين لا تزال أجسامهم مدفونة تحت أنقاض البيوت، والعمارات المدمرة؛ ومن بين الشهداء أكثر من 20 ألف طفل، فيما يقترب عدد الجرحى من 200 ألفاً، ونزح أكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع الذي فقد معظم بناه التحتية والفوقية، وفقد مرافقه الصحية، والتعليمية، وأصبح شلل شبه كامل في مختلف مجالات الحياة؛ وصارت غزة حالياً بقعةً جغرافية غير صالحة للعيش الإنساني، وتحتاج إلى عملية شاملة كما تعرّضت المساجد لتدمير شامل إذ قصف، ودمر وهدم العدو الصهيوني المجرم أكثر من 611 مسجدَا تدميرًا كليًا في قطاع غزة، وفقدت غزة ما يقارب من 10% من سكانه بين شهداء، ومفقودين، وجرحى بعدما أنهت حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة عامها الثاني!؛ ونعلم أن هناك من أبطال الانترنت من العرب من سيقول الجزائر قدمت مليوني شهيد، وفيتنام حاربت أمريكا، ويضرب أمثلة كثيرة، ولكنها مخالفة تمامًا لواقع، وحال القضية الفلسطينية. لقد توقفت الحرب بعد أكثر من عامين ولكنها لم تنتهى وربما تعود بشكل أشرس مما كانت عليه من قبل بعد استلام العدو الصهيوني الغادر الفاجر الكافر جثامين أسراه؛ وذلك بعد نجاح المحاولات المكثفة التي بذلها الأشقاء من الوسطاء العرب من مصر، والسعودية، وقطر، وتركيا، وبعض قادة دول العالم لوقف حرب غزة وإعادة الاعمار من أجل تطبيق خطة السفاح الصهيوني المجرم نتنياهو، وشكلاً هي خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف عنه بالتقلب، والمكر، والخداع، والكذب، والغدر .
ورغم ذلك القصف لا يزال متواصل ولكن بوثيرة أقل مما سبق، وارتقى العديد من الشهداء الأبرياء من الأطفال والنساء مجددًا، وارتقى 11 شخص من عائلة أبو شعبان في قصف صهيوني غاشم أثناء عودتهم إلى حي الزيتون بغزة. والمشهد الإنساني في القطاع كارثي، ويبدو الأسوأ إنسانيًا في تاريخ الحروب المعاصرة، في ظلّ التدمير غير المسبوق الذي قام به الاحتلال الإسرائيليّ، وعمليات التصفية والقتل إلى جانب التدمير الممنهج. وعمد الاحتلال خلال حرب غزة إلى تدمير البنية التحتية، ونسف المدارس والعيادات الحكومية وتلك التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فضلاً عن عمليات النزوح القسري التي فرضها على السكان لمرات عدّة. وإلى جانب ذلك، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي عشرات المجازر بحقّ المدنيين تحت ذرائع وادّعاءات أمنية ثبت في غالبيّتها عدم صحتها، إلى جانب سياسة التجويع التي انتهجها تحديداً في العام الثاني للحرب في سياسة عقاب جماعي فرضها على السكان، وتقدر الخسائر المالية المباشرة جراء حرب الإبادة على غزة تجاوزت مبلغ 70 مليار دولار علاوة على ذلك، فقد دمّر الاحتلال القطاع الإسكاني بوتيرة غير معهودة، حتى باتت 90% من المنازل والأبراج والعمارات السكنية تم تدميرها بالكامل، وغير صالحة للسكن، إلى جانب استهداف قطاعات أخرى مثل الاتصالات والإنترنت؛ وحاليًا قطاع غزة أصبح بقعةً جغرافية غير صالحة للعيش، إذ يحتاج القطاع إلى عملية إعمار شاملة، يتمكّن خلالها السكان من العودة لممارسة حياتهم كما في السابق أو بالحد الأدنى منه، لا سيّما مع تدمير غالبية البنى التحتية من طرق وشبكات. خسائر مهولة جراء حرب غزة ووصل عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات ما يقارب 70 ألف شهيد فيما بلغ عدد الجرحى حوالى 180 ألف جريح ومبتور الأطراف، إلى جانب أكثر من عشرة ألاف مفقود، بينهم شهداء ما زالوا تحت الأنقاض أو مفقودين لم يُعرف مصيرهم بعد!؛ كما اعتقلت عصابة قوات العدو الصهيوني بعد نكبة السابع حوالى سبعة ألاف معتقل من المدنيين منذ بدء العدوان على غزة، و جميع الأرقام، والإحصائيات تقريبية وغير نهائية، وتحتاج لفترة زمنية للوصول إلى كامل حجم الخسائر؛ وربما تفوق الأعداد المذكورة بأكثر مما ذكرناه بسبب الإبادة الجماعية التي قامت بها عصابة العدو الصهيوني من المحتلين المجرمين؛ والذين قاموا بتدمير 90% من البنية التحتية وتشمل القطاعات المتضرّرة الصحة، والتعليم، والإسكان، والديني، والصناعي، والتجاري، والحكومي، والزراعي، والإعلامي، والترفيهي والفندقي والمنزلي، والاتصالات والإنترنت، والنقل والمواصلات، والكهرباء، والخدمات والبلديات، فالدمار تجاوز حجم الكارثة!!. وحجم الدمار "غير مسبوق في التاريخ الحديث"، إذ إنّ مناطق بأكملها مُسحت عن الوجود، وختامًا لا ننكر أن السابع من أكتوبر وما تعرض له الشعب خاصة النساء والأطفال، مما أوجد تعاطف عالمي مع القضية الفلسطينية وجعلها في مقدمة القضايا عالميًا، كما حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر ، وكانت بطولات في الميدان لا ينكرها أحد. وبالمقابل فقدت حماس الحاضنة الشعبية في غزة لأسباب كثيرة منها المعاملة الربوية من التجار الفجار التابعين أغلبهم لحماس؛ والتي لم توفر ملاجئ لحماية السكان، كما وفرت ألاف الأنفاق لحماية المقاومين، وكذلك كانت تعاملهم مع من يعارضهم بالقتل، والضرب والتنكيل، وكيل تهم العمالة والخيانة لكل من يخالفهم، وممارسة القتل بكل همجية على بعض من يتهمونهم بالعمالة، والقيام بإعدامهم على شاكلة فعل داعش؛ دون محاكمة عادلة فكانوا هم الحاكم والجلاد؛ وكذلك لم تخرج عقلية قيادة حماس من نصرة التنظيم لا نصرة الدين، ومن جماعة الإخوان المسلمين وجمعوا مليارات الدولارات ولم تصل للشعب بل مال التبرعات قالوا عنه:" مال حماس لحماس"!؛ وقالوا تركنا الحكومة، ولم نترك الحكم!؛ والواضح أنه لو أبيد كل الشعب في غزة لكنهم يريدون البقاء في حكم غزة، ولو على أنقاض وجماجم كل الشعب؛ كما أن عندهم فضاضة ، وقسوة وغلو ، وشراسه في التعامل مع أبناء شعبهم بغزة ومع كل من لا ينتمى لتنظيمهم، بينما يتعاملون مع العالم كله خاصة من يتربع لهم بالمال بكل إنسانية وتودد، وتذلل وتمثيل دور المسلم المثالي؛ بينما يستبيحون دماء بعض من أبناء شعبهم، ويقومون بعمليات إعدام داعشية ووحشية لكل من يعارضهم، والتهمة جاهزة لمن يقتلوه بأنه "عميل"!؛ وختامًا على حماس العودة، والاحتكام للشعب وللانتخابات فليست غزة ملكًا لهم، وهم يعلمون علم اليقين أن الشعب الغزي قد كَّلْ، ومَل، ولا يريدهم بسبب سوء تعاملهم مع الناس والاستحواذ على المساعدات، وقائمة الظلم تطول، وتطول، ودولة الظلم ساعة، ودولة العدل لقيام الساعة.
