يومُ العَلَم الفلسطيني

تابعنا على:   16:30 2025-09-30

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ يا رايةً ...
غَسَلَتْها دموعُ الأمهات،
وَلوَّنَتْها دماءُ الشهداء،
وَحَمَلَتها أكفُّ الأطفال ...
إلى السَّماء...
***
يا عَلَمًا ...
يَنبُتُ من حجارةِ الوادي،
ومن حُلمِ المنفى،
ومن نُدبةِ الجدار،
كأنّكَ نخلةٌ تَشرَبُ من الجرح،
وتُثمِرُ إرادةً لا تَذبل...
***
فيكَ الألوانُ تُغنّي:
أحمرُ الشهادة،
أسودُ الصمود،
أبيضُ السلام،
وأخضرُ الحياة...
***
أيُّها العَلَمُ الفلسطيني،
اليومَ نقفُ لكَ قيامًا،
كما تُقامُ الصلاة،
نهتفُ باسمكَ:
حريةٌ،
كرامةٌ،
واستقلال...
***
فيكَ تُرفرفُ القدسُ عاصمةً،
وفيكَ تُرفرفُ غزّةُ رغمَ الحصار،
وفيكَ تُرفرفُ الضفّةُ رغمَ الجدار،
وفيكَ تُرفرفُ فلسطينُ كلُّها ...
وعدًا لا يزول...
***
سلامٌ على يومِكَ،
سلامٌ على أجيالٍ ...
ترفعُكَ عاليًا ...
كأنَّها ترفعُ القلبَ إلى السماء،
حتى يجيءَ الفجرُ العظيم،
وتولدَ دولةُ فلسطين،
حرَّةً، مستقلةً،
ديمقراطيةً،
وعاصمتها القدس....
...................................
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض / الثلاثاء
30/9/2025 م

ا. د. عادل جوده طابت اوقاتكم
قراءة أدبية في قصيدة "يوم العلم الفلسطيني" للدكتور عبد الرحيم جاموس
تمثل هذه القصيدة لوحة شعرية ملحمية ترفع العلم الفلسطيني من مجرد رمز مادي إلى كائن حي، ينبض بتاريخ الألم ويحمل أحلام المستقبل. وهي ليست مجرد احتفاء بالعلم، بل هي مرثاة للجرح وأنشودة للصمود، وبيان سياسي، وصلاة شعرية نحو الحرية.
أولاً: البناء الفني والصور الموحية:
١- النداء والتأليه: تبدأ القصيدة بأسلوب النداء "يا رايةً...", "يا عَلَمًا..." مما يضفي على العلم هالة من القدسية والحميمية في آن واحد فهو ليس قطعة قماش، بل هو كائن يخاطب ويمتلك روحاً.
٢- الصور الحسية الممتزجة: يستخدم الشاعر صوراً قوية تعتمد على المزج بين الحواس والمشاعر:
-· الغسل بالدموع والتلوين بالدماء: صورة مركبة تخلط بين السائلين (الدموع والدماء) لترمز إلى طهارة التضحيات وعظمتها.
فالعلم لم يُصنع في مصنع، بل وُلد من رحم المعاناة.
-· "يَنبُتُ من حجارةِ الوادي": هنا يحول الشاعر الحجارة - رمز الصلادة والموت - إلى تربة خصبة تنبت العلم، مما يخلق صورة مفعمة بالحياة والتمرد على القسوة.
-· "كأنّكَ نخلةٌ تَشرَبُ من الجرح، وتُثمِرُ إرادةً": هذه الاستعارة البليغة هي قلب الجماليات رأساً على عقب. فالنخلة تشرب من الماء لتعطي ثمراً، أما علم فلسطين فيشرب من الجرح والألم ليعطي إرادة لا تنكسر. إنها صورة عن "الخصوبة المتولدة من الألم".
٣- توظيف الألوان: لا يذكر الشاعر ألوان العلم كوصف مجرد، بل يحولها إلى أناشيد ودلالات حية:
°· الأحمر: ليس لوناً فقط، بل هو "الشهادة".
°· الأسود: هو "الصمود".
°· الأبيض: هو "السلام".
°· الأخضر: هو "الحياة".
بهذا، يتحول العلم من ألوان طيفية إلى سردية كاملة للقضية: من الشهادة والصمود إلى الأمل بالسلام والحياة.
ثانياً: الرموز والطباق:
-· الرمزية الدينية: "كما تُقامُ الصلاة" – هذه المقارنة تمنح الوقوف للعلم قداسة تضاهي القداسة الدينية، مما يعكس مدى ارتباط القضية بالهوية والاعتقاد الراسخ بحقها.
-· طباق الألم والأمل: تزخر القصيدة بالمقابلات التي توضح التناقض وتؤكد على الانتصار:
-· الحجارة مقابل النخلة المثمرة.
-· الجرح مقابل الإرادة.
-· الحصار والجدار مقابل الرفرفة.
-· المنفى مقابل العودة والوعد.
هذا الطباق يؤكد فكرة أن الأمل يولد من رحم المعاناة.
ثالثاً: الإيقاع واللغة:
-· الإيقاع: اعتمد الشاعر على التفعيلة الحرة، مما أعطى القصيدة نفساً ملحمياً متصاعداً، يشبه الهتافات في المسيرات، أو التراتيل في الصلاة. فهو إيقاع يناسب موضوع القصيدة الجمعي والاحتفالي.
-· اللغة: اللغة سهلة سلسة لكنها موغلة في الرمزية. ليست معقدة لكنها عميقة، مما يجعل القصيدة قادرة على مخاطبة الجميع، من النخبة إلى العامة.
رابعاً: الرؤية والرسالة:
القصيدة ليست تأملية في الماضي فقط، بل هي مشروع مستقبلي.
فهي تربط بين الأجيال ("سلامٌ على أجيالٍ ترفعُكَ") وبين الحلم والواقع (حتى يجيءَ الفجرُ العظيم). وهي تكرس فكرة أن العلم هو وعاء لهذا الحلم: "فيكَ تُرفرفُ القدسُ"، "فيكَ تُرفرفُ غزّةُ"، "فيكَ تُرفرفُ فلسطينُ كلُّها".
الختام هو بيان للهدف النهائي: "دولةُ فلسطين، حرَّةً، مستقلةً، ديمقراطيةً، وعاصمتها القدس".
وهنا تتحول القصيدة من عمل فني إلى وثيقة إيمان ورؤية سياسية واضحة.
//خاتمة:
"يوم العلم الفلسطيني" للدكتور جاموس هي أكثر من قصيدة؛ هي "صلاة وطنية" حديثة.
إنها تخلق ديانة مدنية يكون فيها العلم محراباً والصمود طقساً والحرية قبلة. استطاع الشاعر أن يصهر التاريخ والجغرافيا والألم والأمل في بوتقة شعرية واحدة، ليكون الناتج تحفة أدبية تليق بقضية شعب جعل من الصمود فناً، ومن الحلم علماً يرفرف في السماء.

اخر الأخبار