الاعتراف .. قراءة فيما خلف المشهد
صالح عوض
أمد/ لقد تم الاعتراف بدولة فلسطين على 20 بالمائة من فلسطين وذلك من قبل أكبر الدول الاستعمارية والتي أنشات الكيان الصهيوني وغذته بآلة البطش والجريمة على مدار قرن بل ان بعضها سلم فلسطين بقوة النار والحديد بعد أن بسط عليها سيطرته للعصابات الصهيونية.. وهنا يظهر الفاعلون الحقيقيون مرة اخرى في المواجهة.. وهذا يدعونا الى تدبر ما حصل وحقيقته وذلك بقراءة لما خلف هذه اللحظة الاحتفالية..
ظروف جديدة:
نحاول قراءة ما خلف المشهد الذي أظهرته احتفالية دولية كبيرة في نيويورك امس وبعيدا عن تنازع من يريدون الاستحواذ على النتائج على قاعدة "يحبوا ان يحمدوا بما لم يفعلوا" وبعيدا عن الكلام الحزبوي والانتقائي الذي يحوّل الأخ عدوا ويوجد مبررات للعدو.. لن نعير اهتماما في تحليلنا للمسكونين بردات الفعل الشخصية والمزاجية وأكثر من ذلك علينا الخروج من ألمنا ولنفكر بعقل بارد لفهم الحقيقة.
ان أحد أهم قراءات اللحظة التاريخية الراهنة ان بريطانيا وفرنسا وكندا واستراليا بلغت من الانهزام الى درجة الخوف الوجودي على القاعدة الغربية الإستراتيجية في القلب من وطننا العربي بعد ان تم عزلها عالميا وإسقاطها أخلاقيا وإفقادها مظلوميتها ليس فقط من تصريحات وتحليلات إنما من خلال مؤسسات النظام الدولي التي أنشأت في الأصل لملاحقة خصوم اليهود بتهم اللاسامية والنازية.. انكسرت الخطة مرحليا في مواجهة الإصرار الفلسطيني العظيم من خلال مقاومته وتضحياته الأمر الذي شكل لأول مرة حالة ضغط إنساني عظيمة فذهبت للاعتراف للشعب الفلسطيني بدولة على خمس فلسطين.. وهي الدول التي كانت ولازالت في مقدمة من أنشأ الكيان ويدعمه بكل أدوات الجريمة.
نضطر دوما ومن حين إلى آخر الى إعادة النظر والتذكير بطبيعة الكيان الصهيوني ومن كونه ولم كونه وما هي مهماته ووظيفته والأمر لا يحتاج كثيرا من فلعل الأطفال في شعبنا يدركون ان الكيان الصهيوني هو صنيعة العصابة اليهودية المالية المتحكمة في القرار الدولي.. ومن هنا ندرك بوضوح أن الكيان الصهيوني هو وجه لحقيقة استعمارية تمارس إرهابها وبلطجتها لنهب المنطقة و تفسيخها وجعلها دوما في حالة اختراق وتوتر تمنعها من أي محاولة للنهضة والوحدة والاستقلال.. من لا يفهم ذلك لن يفهم حقيقة القضية وجوهرها وطبيعتها ولن يفهم لماذا هذا الدعم غير المحدود من دول الغرب امريكا وكندا وبريطانيا والمانيا وفرنسا وايطاليا.. ولن يدرك ما يقال خلال الحفلات والمحافل.. ولعل هذه المسألة الأساسية والتأسيسية للوعي هي الضامن لعدم فقدان البوصلة.. وعلى صعيد الممارسة فلئن جاز للسياسي ان يناور ويتحرك بالممكن وفي مجاله، فان المثقف يخون عقله وقضيته ان تنازل عن حبة تراب من فلسطين ا وان غفل عن عدوه الحقيقي.
وبعد هذا نعرض لحقيقة الصورة في الغرب.. فلقد اشتغل الإعلام الاستعماري مدعوما بقرار سياسي لعقود من الزمن لترسيخ سردية العصابة الصهيونية حول إسرائيل، وفي الغرب كانت كلمة واحدة عن فلسطين تكفي ان يعزل صاحبها من عمله كما حصل مع الكاتب الصحفي الان دونفير الفرنسي سنة 1986 عندما عرض تقريرا عن أوضاع الفلاحين في الضفة الغربية وختمه بالقول ان هذا شعب يستحق دولة فكان جزاؤه الطرد والتشويه المعنوي، والأمر نفسه حصل لروجيه قارودي الذي شكك فقط في عملية الهلوكوست وندد بالجرائم في حق الشعب الفلسطيني فكان ذلك سببا في زجه في السجن سنوات طويلة وتغريمه مبالغ طائلة كما تم حرق مكتبات والاعتداء على شخصيات عديدة لمجرد كلمة تدين جرائم إسرائيل.. وأما بالنسبة للفلسطينيين فلقد قتل نعيم خضر في بلجيكا وعز الدين قلق في فرنسا وهما مندوبان عن منظمة التحرير الفلسطينية كونهما ناشطين على مستوى الإعلام والأمر نفسه حصل لشخصيات فلسطينية عديدة في أمريكا وأوربا.. كان الحفاظ على السردية الصهيونية خط احمر فقد تسب الأنبياء والساسة وكل شيء فيغفر لك ولكن مجرد المساس بالصهيونية فالسجن والنفي عقاب مخفف.
من الواضح ان دعم إسرائيل من الغرب لم يكن فقط بالآلات والمعدات والصناعات الحربية والخبرات العلمية وإنما أيضا بتوفير كل الشروط الملائمة لتحرك أجهزته في العالم الغربي دون حسيب او رقيب ووضع كل شيء تحت تصرفه.. وذلك لتكون إسرائيل قوة استثنائية في المنطقة بغطاء غربي تام..
هذه الحالة راكمت في أحاسيس كثير من النخب والطبقات الوسطى حالات تذمر مكبوتة اذ ان كل هذا الإنفاق المباشر وغير المباشر إنما يقتطع من ضرائب مفروضة وباضطراد على المواطنين كما أنها تمثل عربون صراع مستمر فيه الظلم والجور ضد العزل الآمنين..
عندما انطلق 7 أكتوبر حاولت المؤسسات الإعلامية الإمعان في شيطنة الفلسطينيين أكثر من خلال شماعة حماس وكأن القضية ولدت مع 7 أكتوبر الا ان المواجهات العنيفة والاستهداف الإسرائيلي الجنوني للسكان المدنيين واستمرار المقتلة العنيفة الممنهجة وخروج التصريحات علنية من قبل حكام اسرائيل بضرورة قتل أطفال غزة ونسائها وتحول التصريحات الى أفعال طالت الجميع بعشرات الآلاف .. لقد تم نقل من ذلك ما يكفي لفضح السردية الإسرائيلية وتتفيه الإعلام الغربي فتصاعدت الاحتجاجات في أمريكا وأوربا وانتشرت فيما بعد في استراليا وسواها..
لقد كانت حركة الناس في الغرب اقرب الى ثورة وأصبح علم فلسطين والكوفية الفلسطينية اكثر المظاهر بروزا في الغرب وعلى مدار عامين لم تتوقف عمليات الاحتجاج المتصاعدة وفي هذه العملية الشعبية الكبيرة مات أشخاص واحرق البعض نفسه وشن كثيرون الإضرابات وفصل كثيرون من عملهم ومناصبهم وحورب كثيرون في مصادر رزقهم الا ان القرار الشعبي في الغرب انتفض وكسر إطار الرواية الصهيونية وأصبحت فلسطين هي الرواية المؤثرة المحركة وارتبطت القضية الفلسطينية بمعيشة الناس وكرامتهم وهكذا انطلقت الهتافات في وجه ترمب: "ستتحرر فلسطين وستتجر واشنطن".. انطلقت شعارات كبيرة عميقة تعبر عن تعقيد علاقة النظام الغربي بشعبه لاسيما فيما يخصص إسرائيل وسيطرة العصابة عليه وعلى الدولة الأمريكية..
هذا أحد أهم ثلاث أسباب كانت دافعة بقوة لكي يتحرك خبثاء النظام الدولي لاجراء عملية احتواء قد يكون فيها بعض التنازلات اللفظية، وهناك العامل الثاني الخطير المتمثل بالحرب الروسية الأوكرانية وتصاعدها في الآونة الأخيرة لدرجة انها أصبحت بوضوح حرب اوربا ضد روسيا .. واندفعت أوربا بمئات المليارات تضخ الأسلحة والمساعدات لأوكرانيا بل والخبراء لكي تحدث عملية صد للطموح الروسي الذي يتمدد نحو بولندا ورومانيا ويستعرض بقوة بعد ان تمكن من الإفلات من العقوبات حول غازه ونفطه اذ مثلت له الصين حبل نجاة بتكسير الحصار علي روسيا..
لا تقف روسيا وحدها في مواجهة أوربا الآن بل تحاول مد جسور التحالفات ولعل التحالف الروسي الصيني الذي جلب إليه باكستان وإيران والهند والبرازيل يمثل خطورة كبيرة توشك ان تمد ألسنة لهب حرب عالمية في المنطقة..
أوربا بريطانيا وفرنسا وألمانيا منهمكة في المواجهة المتصاعدة على الجبهة الأوكرانية وليس من المنتظر انتهائها قريبا وهي تستنزف الثروات وقد تصبح المشاركة قريبا بالجنود وستفتح حينذاك جبهات مباشرة مع العواصم الأوربية وهذا يعني ان أوربا لن يكون بوسعها ضمان استمرار تفوق إسرائيل وتغطيتها امنيا بما يكفي لتفوقها على الإقليم القلق..
العامل الثالث أن قيادة الكيان الصهيوني خرجت عن سياق السياسية الاوربية وعند حدود الفرعنة والبلطجة في المنطقة.. فلقد ركب نتنياهو واليمين الصهيوني مركبا صعبا قد يفجر المنطقة كلها ولم يخف نتنياهو أهدافه بشرق أوسط جديد تصطدم عسكريا في المنطقة مع مصر والسعودية وسورية ولبنان وسورية وإيران .. وهذا يعني معركة كبيرة لن يستطيع نتنياهو حسمها رغم كل صراخه فلقد اكتشفت الإدارات الغربية انه مجرد فقاعات دعائية فهاهو بعد سنتين يظهر عجزه عن إسقاط مليشيات مسلحة صغيرة كتائب القسّام.. من هنا كان لابد من إنقاذ إسرائيل من الورطة ولجم جموح نتنياهو.. وإفشاء مناخ الهدوء والسلم في المنطقة.
وهناك بعد لعل الجميع يتابعه ويشاهده المتمثل بالانشقاق والإرهاق داخل الكيان الصهيوني الامر الذي يحرمه من إمكانية ان يطور حربه في المنطقة او يتعرض لاستنزاف او اشتباك مع أطراف اقليمية هذا بالإضافة للانشقاق السياسي داخل الكيان وأثار ذلك كله على استقراره وأمنه الداخلي..
كما أن تخبط الرئيس ترمب واهتزاز سياسته والتي أصبحت عبارة عن كاريكاتوري هزلي قاتل في التعامل مع الروس والصين وحتى مع أوربا.. الأمر الذي اضعف اوربا واحدث تصدعات عنيفة داخل المجتمع الأمريكي الذي تتزايد فيه أحداث الجرائم والتمزق السياسي والاجتماعي والتصارع مع حكام الولايات كل هذا يجعل امريكا لا تملك قدرة التفكير لإنقاذ النفوذ الغربي في العالم مما يمثل تهديدا كبير بصعود نجم القوى المضادة الصين وروسيا
هذه العوامل العميقة التي حركت الغرب الأوربي الأقرب لإسرائيل وصاحب مشروعها والحامي لها ومزودها بكل أدوات الإبادة لكي تؤدي وظيفة عجز الفرنجة على القيام بها وفشلوا بعد عشرات السنين.. انها خطوة حساسة في ظروف غاية في التعقيد من اجل إنقاذ إسرائيل.. ولن يتم تقديم للشعب الفلسطيني اكثر من احتمالية دولة أشبه بالحكم المحلي الذاتي المحدود او أي صيغة معدلة.. وعلى العموم كل شيء غامض حول مصير الدولة المعترف بها وطبيعتها.
النفاق والخديعة:
لقد كان الأولى أن يتم الإعلان فورا عن وقف الحرب وإلا.. كان مفترض على الدول الأوربية الرئيسية التي اتخذت قرار الاعتراف ان تعلن عن سلسلة خطوات لإنقاذ الشعب من الإبادة الممنهجة الممارسة كل لحظة..وعندما نستمع لأقوال ماكرون ووزير خارجية بريطانيا والمندوب الكندي والألماني وسواهم من قادة العدوان على شعبنا وامتنا ماذا نسمع؟ نسمع الاهتمام البالغ ب20 جندي صهيوني موجودون في الأسر لدى المقاومة الفلسطينية ولا يتم الحديث عن آلاف المعتقلين الفلسطينيين الذين يتعرضون لأبشع حالات التعذيب والموت في مسالخ الشبح والقتل بكل الوسائل ولم يلتفت هؤلاء المنشغلين ب20 جندي إسرائيلي سجين بأنه كل يوم يقتل الجيش الصهيوني عشرات الفلسطينيين ولم يلتفت هؤلاء ان اسرائيل دمرت غزة تماما وحرمت الناس من كل مصادر الحياة.. وهؤلاء المنافقون الذين يريدون طرد حماس من المشهد الفلسطيني لما قامت به في 7 أكتوبر لم يروا ما فعلته إسرائيل خلال سنتين من مجزرة مفتوحة كما قامت على طول عمرها الحقير بمئات المجازر..
انه من العار ان يأتي المندوب الكندي السخيف من خلف المحيطات ليعطي دروسا للشعب الفلسطيني العريق في الديمقراطية وحقوق الإنسان ولعله لا يدري ان عمر بلده لا يتجاوز عمر أظافر أقدام شعبنا العظيم الضارب في التاريخ منذ عشرة آلاف سنة.. وانه لمن العار ان يتكلم ماكرون عن دولة ذات سيادة منزوعة السلاح فمن هو الذي أساء استخدام السلاح.. هل يجوز قول هذا وهو من زود إسرائيل بالمفاعلات النووية.. اليس من العار على دعاة الديمقراطية ان يشترطوا على شعب ان يخرج قسما منه خارج العملية السياسية بحجج واهية؟ من هو الإرهابي مجرم الحرب بحكم قرار محكمة العدل الدولية.
انهم تكلموا عن الدولة نعم ونسوا أن قرار تقسيم فلسطين الذي قدموه هم للأمم المتحدة قبل 77 سنة يتضمن قيام دولة فلسطينية على 50 بالمائة.. نحن نتزود بقرار أممي حول القدس وحول حق العودة فماذا أضافت فرنسا وكندا وبريطانيا..؟ الاعتراف بدولة فلسطينية منزوعة من سيادتها وسلاحها.. اعتراف لفظي لا يستند الى إلزامات على الطرف المحتل المعتدي..
لقد جاء اعترافهم متأخر كثيرا ومنقوص كثيرا وهم من صنع القضية والنكبة انه اعتراف بدون خريطة عمل اعتراف بشروط سياسية، اعتراف لم يعلن خطوات تنفيذية ، اعتراف بدولة على خمس ارض فلسطين هل هذه ارض فلسطين التي احتلتها بريطانيا وسلمتها للعصابات الصهيونية
رغم ذلك نرحب بما تم في هيئة الأمم المتحدة ونحيي شعوب أوربا على وقوفها الصلب المؤثر الذي كان له الأثر البالغ حيث استجابت شعوب أوربا لصراخ غزة وألمها..
الذي نقوله نرحب بآي خطوة تقترب من إخراج عدونا حتى لو من شبر من أرضنا فقط ونعلن كياننا لو على بقعة من أرضنا وحتى لو كان لفظيا لأننا لن نكون مغفلين ولن نتخلى عن روح المقاومة مهما بلغت خطورة الحيلة.. نقبل يذلك لأننا نؤمن ان تحرير كل فلسطين يحتاج طاقة العرب والمسلمين ويحتاج جولات عديدة متتالية من الكفاح المهم الان إيقاف المذبحة0
ان هذا الضغط الذي صنع الحدث إنما هو بوضوح بفضل تراكم نضال شعبنا منذ أول شهيد فلسطيني مرورا بكل ثورات شعبنا وكفاحه بكل الأشكال.. حتى آخر قطرة دم من شهيد. ومن المعيب اختصار النتيجة وحصرها في احد الأسباب
انها كفاح متواصل منذ ثوراتنا وسياق كفاحنا الطويل منذ عشرات السنين وبطولة مقاومتنا في ٧ أكتوبر المجيد المجيد وفي المواجهات العنيفة خلال سنتين و أثر تضحياتنا العظيمة في انتفاضة أحرار أوربا والتي تستهدفها الحكومات الغربية الآن بالاحتواء من خلال مشهدية لا نثق بمقاصدها.. اننا جربناهم في عبر قرن من الزمان انهم مخادعون كذابون منافقون، يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم )
