ندفن أحياء

تابعنا على:   11:49 2025-08-28

هاني مصبح

أمد/ ندفن أحياء ونحن مازلنا على قيد الحياة لم نمت، ولكن من تلك الفتاة التى دفنت وهى تنبض بالحياة أو ذاك الشاب الذى دفن أشلاء 

فاجعة لا يمكن تجاوزها حين نبكي مرتين، مرة حين نودع وندفع الأحبه ونحن لا نرى منهم ملامحهم بوضوح فى إشارة ودلالة على حجم جرائم الإحتلال الإسرائيلي البشعة فى قطاع غزة، غزة التى بات كل شيء فيها مؤلم ومليء بالاوجاع حتى أصبحت العيون لا تستطيع البكاء والقلوب تحجرت من هول الصدمات وما عاد هناك متسع للمزيد من  الأحزان وبتنا أجساد بلا أرواح، وبات الموت يلاحقنا فى كل مكان وصرخت المقابر بعالى الصوت كفا لا أريد مزيداً من الأكفان، وباتت القبور التى لا تضم   أصحابها حين تختلط الأشلاء ببعضها بالعشرات وبالمئات فى جرائم لا حصر لها وبات ذويهم يأخذون أشلاء أبناؤهم بالميزان حسب الأعمار للأشخاص المتوفين فهذا يمنح 25 كيلو من الأشلاء وذلك يمنح 50 كيلو من الأشلاء وذلك أكثر وآخر أقل ليشعر ذويهم بأنهم حصلوا على أجساد أبناؤهم ليقوموا بدفنهم والحقيقة المرة هى كثير منهم ليسوا لذويهم فالأشلاء عانقت بعضها البعض واختلطت فى مشهد رهيب لا يعرف هذا من ذاك بسبب حجم الجريمة والكارثة التى ارتكبها جيش الإحتلال الإسرائيلي فى غزة ودوما يفلت من العقاب بسبب الصمت والخذلان، فنحن نموت ألف مرة باليوم مرة لأننا نقصف من الإحتلال وألف مرة بسبب الصمت والخذلان العربي والدولي .

فى قطاع غزة إعتاد الأهالي أن يودعوا أبناءهم فى كل صباح خشية  ألا يعودوا وذلك كثيراً ما يحدث مما يضطر الأهالي للبحث عنهم فى المساء بين الركام والأنقاض وفى أروقة  المستشفيات وثلاجات الموتى .

ومن أكثر القصص وجعاً حين تستسلم للقدر وتظن بأن من فقدتهم هم أولئك الأموات الذين وجدتهم فى ثلاجة الموتى فغالبا حين يقصف الإحتلال الإسرائيلي الناس المدنيين في أماكن تجمعهم بحثاً عن الغذاء والماء بعضهم يموت ويقطع أشلاء وبعضهم يكون مصاب وتتقدم دبابات الإحتلال الإسرائيلي وإما تقتل من تبقوا على قيد الحياة أو تعتقلهم لإنتزاع منهم معلومات حول غزة ومقاومتها رغم أن من تعتقلهم مدنيين ونساء وكبار السن ولكنها تتعمد إعتقالهم وإذلالهم بوحشية لا مثيل لها.

كثيراً  من الأهالي ودعوا أبناؤهم ودفنوهم على أنهم شهداء وهم

جثة متفحمة، لا ملامح لها بلا وجه، بلا عينين ، ودُفنوهم وبكوا عليهم فى لحظات وداع مؤلمة واصبحوا هم ذكريات خالده فى قلوبهم، ويبكونهم بحرقه كيف لا وهم فلذات الأكباد، بكاء ورثاء يليق بالشهداء، 

لقد صدق الأهالي وأقنعوا أنفسهم بأن هذه الجثمان لذويهم، فماذا يفعل الموجوع أمام ألم الفقد؟

دفنوا الجثمان، وبكوا بحرقه كما يبكى الغائب إلى الأبد.

وترفع الأم كفّيها تدعوا الخالق عز وجل بأن تكون الجنه الملتقى للأحبة، 

ثم تبدأ حكاية وجع جديدة حين نكتشف بأن من دفناهم ليسوا هم فلذات أكبادنا ويأتي الخبر كالصاعقة بأن من فقدتموهم ودفنتموهم مازالوا أحياء معتقلين ولم يموتوا 

لكنهم مرضى  مصابين تم اعتقالهم أحياء لا يستطيعون السير نحو الباب وإخبار الأسري بقصتهم فالجميع داخل السجن يعذب ويتعرض للإنتهاكات ويحرم من النوم والغذاء والدواء ويتعرضون لأشد انواع العذاب لإنتزاع منهم إعترافات لا أصل لها حول ما يجرى فى قطاع غزة، يريدون من المدنيين المعتقلين الإدلاء بمعلومات مفيدة حول إختفاء الأسرى الإسرائيليين وحول المقاومة فى غزة وهذا هراء غير معقول وغير مقبول فكيف لمواطن بسيط أن يعرف هكذا أمور وكيف يعذب ويضطهد النساء وكبار السن ويتعرضون لجرائم بشعة وكثير منهم تعرض للإغتصاب من جنود مرتزقة وآخرون تعرضوا للإغتصاب من حيوانات الكلاب التى تم تدريبها لفعل ذلك الشيء ويفعلون ذلك مع الأسري أمام أسري آخرين لترهيبهم وتخويفهم ونزع منهم إعترافات حول ما يريدون، إنه جيش الاحتلال الأكثر وحشية والغير أخلاقي على الاطلاق، هنا تأتي المفاجئة للأهالي بعد مرور أشهر من العذاب بأن أفئدة قلوبهم التى دفنت مازالت على قيد الحياة أسري معتقلين ولكن للأسف كثير منهم عاد مبتور القدمين أو اليدين رغم أن حالتهم لم تكن تستدعى ذلك ولكنهم مجردين من الأخلاق يقوموا بتكبيل الأسري لأشهر برباط بلاستيكي يأكل اللحم والعظام فى أيادي الأسرى وأرجلهم عندما يكبل فترات طويلة ولا يسمح لهم بقضاء حاجتهم فيضطر معظمهم لقضاء حاجته على نفسه ومن يطلب بعض الماء للشرب يقوم الجنود بالتبول على رأسه وجسده وعذاب طوال اليوم بالضرب والإهانة وبإطلاق الكلاب المدربة وتعذيبهم وترهيبهم وكثير منهم للأسف بترت أطرافة نتيجة لذلك بدلاً من تقديم لهم الرعاية الصحية وعلاج الجروح يتعمد الإحتلال بتر أطرافهم والطبيب غير مؤهل لذلك وفاقد للأخلاق ويشارك فى شتم وسب وضرب الأسرى المرضى وكثير من الأسرى خرج مشلولا أو مبتور القدمين بسبب ما عاشة خلف القضبان.

ومازالت الأوجاع مستمرة حين يكتشف الأهل بأن من دفنوه قبل أشهر هو ليس إبنهم أو إبنتهم فقط كانوا يعتقدون بأن المتوفى من ذويهم لأنه عند وقوع الجريمة البشعة تسقط الأوراق الثبوتية من أيادي المصابين وتتمزق بعض ملابسهم والجيش حين يعتقلهم يتعمد إعتقالهم عراه ويترك ملابسهم مع من هم بالمكان أشلاء وحين تقوم الفرق الطبية بجمع الأشلاء تأخذ كل شيء بالمكان لربما يتعرف الناس على ذويهم من تلك الأوراق والملابس ولأنهم أشلاء يصعب تحديد هذا من ذاك وتكون ورقة او قطعة ملابس هى الدليل للتعرف على الأحبه

وبين الحين والآخر يطلق الإحتلال سراح بعض الأسرى ممن إعتقلهم فيعود هؤلاء لذويهم ويدق باب وعامود الخيمة التى نزح إليها قبل الإعتقال فيصدم الأهل بعوده من ظنوا أنهم رحلوا ويقع الخبر عليهم كالصاعقة وكذلك عند عوده بعض الأسرى يعودوا محملين ببعض الأخبار عن مفقودين لا يعرف مصيرهم فيخبروا الأهالى بأن هناك الكثير من المفقودين هم معتقلين فى سجون الإحتلال الإسرائيلي ويعددوا بعض الأسماء التى حفظوها ليخبروا ذويهم بأنهم ما زالوا على قيد الحياة وهنا تقع الصدمة مجدداً حين يكتشف الأهالى بأن أبناؤهم مازالوا أحياء ويتبادر للأدهان جثمان من الذى قمنا بدفنه وجثمان من الذى بكينا عليه وهنا يكتشف الجميع بأن هناك عائلة آخرى تبحث عن جثمان ذويها قامت عائلة آخرى بدفنها بطريق الخطأ على أنها جثمان ذويهم، اى وجع هذا الذي يعيشه الشعب الفلسطيني فى قطاع غزة بفلسطين فهل تلك المعاناة وحدها تصف للعالم حجم المجازر البشعة التى يرتكبها الإحتلال الإسرائيلي فى قطاع غزة أو مازال العالم ينتظر المزيد من الجرائم 

تعود الأحزان إلى خيمة النزوح نعم خيمة لأن البيت هدم ، ولكنها تعود بشكل مختلف، أحزان يصاحبها أوجاع حين يعود الميت للحياة يعود مبتور القدمين يعود جسدا بلا روح، وحين يعلم العائد بأنهم دفنوه حيا وينظر إلى حالة وما فعله به الإحتلال الإسرائيلي يتمنى بأنه لو فارق الحياة لكان أفضل من تلك المعاناة فى ظل غياب كل شيء غياب الأمل وغياب البيت وغياب الأمن والإستقرار وغياب مقومات الحياة ومزيداً من العذاب والأوجاع حينها يصبح الموت هو الأكثر راحة 

وكم من جثمان دُفنت فى غزة لا تعود 

لذويها؟"

تعمد الإحتلال الإسرائيلي نهج الإخفاء القسري، ونبش القبور والتلاعب بالجثامين

وأفادت تقارير حقوقية صادمة كشفت من خلالها بأن 44 مقبرة في غزة أو ما يزيد تعرضت للنبش والتدمير خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023

وقام الإحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد دفن الكثيرين فى مقابر جماعية، وآخرين سلّم جثامينهم  دون أوراق ثبوتية 

مما جعل الكثير من العائلات تعيش الحزن والحداد على ذويهم ممن هم ربما ما زالوا على قيد الحياة.

كل ذلك يحدث فى غياب القانون الدولى والمعاهدات الدولية التى كفلت حياة آمنه للمدنيين العزل والطواقم الإغاثية من طواقم الإسعاف والدفاع المدني والأطباء والكوادر الصحية وحماية المستشفيات ودور العبادة، كل شيء انتهك فى قطاع غزة أمام أعين الجميع وتعطلت كل القوانين والمواثيق الدولية، نكتب عن قصص إنسانية واقعية عاشها الشعب الفلسطيني تحت جبروت الإحتلال الإسرائيلي لتعلم الأجيال اللاحقة فى المستقبل حجم الجرائم البشعة التى إرتكبها الإحتلال الإسرائيلي بحق شعب أعزل فى فلسطين لتبقى شاهدة على العصر فى ظل صمت عالمي على المستوى الرسمي غير مبرر حين تتعطل القوانين فى قضية فلسطين.

اخر الأخبار