عملية المقاومة في خان يونس
مروان صباح
أمد/ تؤكّد العملية التىّ نفّذها المقاومون الفلسطينيون في جنوب قطاع غزة، وتحديداً في خان يونس ، أنّ مسار التحرير دخل مرحلة جديدة ، فقد استُهدف موقع عسكري إسرائيلي محصّن بهدف أسر جنود ، وتمكّن المقاومون ـ رغم الحصار الأمني والتقني الذي يفرضه الإحتلال باستخدام أحدث وسائل المراقبة الجوية والبرية والبحرية ـ من التقدّم إلى الموقع ، وخوض إشتباك مباشر أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش ، قبل الإنسحاب إلى مواقعهم بسلام .
هذا التطور الميداني يثبت حقيقتين أساسيتين : اولاً، أنّ حرب التحرير لم تعد مجرّد شعار بل باتت واقعاً متدرجاً على الأرض - ثانياً، أنّ السيطرة الميدانية تميل تدريجياً لصالح المقاومة ، باستثناء النقاط العسكرية المحصّنة بأحدث التجهيزات الإسرائيليةً، وهاهي المقاومة بدأت تهاجمها .
إنّ هذه العملية تضع المقاومة الفلسطينية ضمن سياق أوسع من تجارب التحرّر في التاريخ الحديث ، لاسيما تجربة المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان 🇱🇧، فقد اعتمدت المقاومة اللبنانية ، وخصوصاً حزب الله خلال ال 90 القرن الماضي ، تكتيك التسلل إلى المواقع العسكرية الإسرائيلية وتنفيذ هجمات نوعية ضد الجنود ، ثم الانسحاب بسرعة إلى خطوط خلفية آمنة ، وقد تكرّرت هذه العمليات بوتيرة عالية حتى ساهمت في إرغام إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000 .
وعند المقارنة ، نجد أنّ التكتيك الفلسطيني في غزة يكاد يكون امتداداً مباشراً للتجربة اللبنانية : عنصر المباغتة ، الإشتباك المحدود والمركّز ، والإنسحاب الآمن ، إلا أنّ ما يميّز الحالة الفلسطينية هو خصوصية البيئة الميدانية ؛ إذ تعمل المقاومة في قطاع محاصر بالكامل ، ومكشوفٍ استخباراتياً وبصرياً عبر الجو والبحر ، الأمر الذي يجعل نجاح العمليات النوعية دليلاً أقوى على قدرتها على تجاوز التفوّق العسكري الإسرائيلي .
يبقى التشابه : هو اعتماد أسلوب العمليات المباغتة ضد المواقع العسكرية، التركيز على أسر الجنود كوسيلة ضغط ، وتحقيق تأثير استراتيجي يتجاوز حجم العملية نفسها ، ثم احداث الإختلاف : استفادت المقاومة اللبنانية من العمق الجغرافي والدعم اللوجستي عبر الحدود ، بينما تعمل المقاومة الفلسطينية ضمن مساحة ضيقة ومحاصرة ، مما يجعل إنجازاتها أكثر صعوبة من الناحية التكتيكية .
إنّ مقارنة عملية خان يونس بالعمليات اللبنانية السابقة تُظهر أنّ المقاومة الفلسطينية ليست حالة معزولة ، بل امتداداً لتجارب تحرّر سابقة في المنطقة ، وهي في الوقت ذاته تجربة فريدة ، بحكم طبيعة الحصار والظروف القاسية التىّ تجري فيها ، ما يمنحها دلالات استراتيجية أعمق على صعيد حرب التحرير ، بل تذكرنا هذه العملية إلى الأذهان عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006 " الوهم المتمدد " ، التىّ جرت أيضًا في محيط خان يونس، حين نجحت المقاومة في إختراق التحصينات العسكرية الإسرائيلية ونقل الأسير إلى داخل غزة ، ورغم الفارق الزمني بين العمليتين ، إلا أنّهما تكشفان عن قدرة المقاومة على تطوير تكتيكاتها القتالية والاستخباراتية واستثمار عنصر المفاجأة ، بما يضع الجيش الإسرائيلي أمام معادلة معقّدة تتعلق بمدى جهوزيته في مواجهة حرب غير تقليدية .
