متى يقرر المتضررون مصير إغاثتهم؟
د. سلامه أبو زعيتر
أمد/ في كل زاوية من زوايا قطاع غزة، تتجسد قصة معاناة لا توصف، أطفال يئنون من الجوع، مرضى يصارعون الموت بلا دواء، وعائلات فقدت كل شيء، والمساعدات الإنسانية، التي كان يُفترض أن تكون شريان حياة في هذا الحصار الخانق، باتت هي نفسها رهينة لممارسات تهدد بتحويلها إلى أداة للظلم، والابتزاز والضغط والتمييز بدلاً من أن تكون جسرًا للنجاة، لقد مثل توقف تدفق هذه المساعدات، ومحاولة حصر توزيعها في يد جهة واحدة تفتقر لأبسط معايير النزاهة والكفاءة الإنسانية، ليس مجرد خلل لوجستي، بل هو جريمة بحق الإنسانية، ووصمة عار على جبين العدالة.
تخيلوا أنكم في أمس الحاجة إلى الماء، ثم يقرر من يملك البئر أن يمنع عنكم الماء، أو يجعله متاحًا فقط عبر وسيط واحد لا تثقون به، ولا يملك الخبرة في إيصال الماء للجميع، هذا هو بالضبط ما يحدث في غزة، التي تتعرض لإبادة جماعية وجوع وسوء تغذية، فالمساعدات ليست مجرد سلع؛ إنها أمل، تمثل فرصة للبقاء، إذا ما قدمت على أسس تحفظ الكرامة الإنسانية والعدالة، فعندما تتوقف وتقوم محاولات للتحكم بها ضمن سياسة تعسفية، فإنها تحول السكان من ضحايا للحصار إلى ضحايا لسياسات التوزيع الجائرة.
إن حصر توزيع المساعدات في مؤسسة واحدة تفتقر لمعايير العمل الإنساني ليس فقط غير فعال، بل هو خطير للغاية، فذلك يفتح الباب على مصراعيه للظلم والابتزاز والفساد، والتمييز، وتوجيه المساعدات بناءً على الولاءات بدلاً من الحاجة، وضمن أجندات هادفة تحقق أبعادا سياسية وتمهد لمخططات تزيد من الضغط على السكان كمقدمات للتهجير، وهنا نتساءل كيف يمكن لمؤسسة لا تملك الخبرة الميدانية، ولا تحظى بثقة المجتمع، أن تقوم بتدخلات تضمن وصول الغذاء والدواء إلى كل جائع ومريض؟ هذا التوجه لا يهدد بزيادة المعاناة فحسب، بل يقوض الثقة في العمل الإنساني برمته، ويجعل من المستحيل تحقيق العدالة في توزيع ما تبقى من أمل لإنقاذ الناس من المجاعة وسوء التغذية بل يمثل مدخلا للعنف الاجتماعي والسرقة والسطو وسلوكيات خارجة عن الاخلاق والقانون.
ما يحدث من محاولات لتمرير الشركة الامريكية لإغاثة غزة وإعطائها شرعية رغم ما صرح به مديرها التنفيذي المستقل بانها تفتقر لمعايير العمل الإنساني يثير الكثير من المخاوف لعدم الوضوح ومحاولات الالتفاف على حقوق الناس وحاجاتهم، من هنا آن الأوان لكي يرتفع صوت أهالي قطاع غزة عالياً، فمن يعاني الجوع والظلم والقهر ليسوا مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل هم أصحاب الحق الأصيل في تقرير مصيرهم، وفي مقدمة ذلك المشاركة في وضع الخطة والطريقة والالية المناسبة لكيفية وصول المساعدات إليهم، فمن الأجدر والأكثر عدلاً أن يكون هم دور مشارك عبر ممثليهم في المجتمع وضمن مؤسساتهم المدنية والاجتماعية ذات الكفاءة العالية، والخبرة الطويلة في العمل الإنساني، والواجب ان يكون لها دور محوري في إدارة وتوزيع المساعدات بما يحقق معايير العمل الإنساني العادل، فهذه المؤسسات، نشأت من رحم المعاناة وتعرف نبض الشارع الغزاوي واحتياجاته الحقيقية، وهي الأقدر على ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها الفعليين، بعيداً عن أي تسيس أو تمييز، فإن إشراكهم ليس مجرد مسألة كفاءة، بل هو مبدأ أساسي من مبادئ الكرامة والتمكين للمجتمع في تقرير مصيره ومستقبله، فليجوز إقصاء أصحاب الحاجة عن عملية إغاثتهم، فإن ذلك يرسخ فكرة أنهم مجرد متلقين سلبيين، وهو ما يتنافى مع كل قيم الإنسانية.
أوقفوا هذه المهزلة! فعلى كل ضمير حي في العالم، كل مواطن، كل منظمة، وكل حكومة، إلى الوقوف وقفة رجل واحد ضد هذه الممارسات الظالمة من خلال توحيد الجهود لتحقيق موقف شعبي ورسمي لرفض أي مخططات قد تمس بالإنسان وكراماته وتكون سيفا مسلطا على مستقبله وثباته على ارض وهنا يجب العمل على التالي:
1. الضغط بقوة على جميع الأطراف لضمان تدفق المساعدات غير المشروط إلى غزة، وفتح جميع المعابر.
2. رفض أي محاولات لاحتكار توزيع المساعدات، والإصرار على إشراك المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية ذات السمعة الطيبة والخبرة المثبتة.
3. دعم ومساندة المؤسسات الاهلية والمدنية في غزة الرائدة والعادلة لتكون هي الأساس في عملية تقديم المساعدات وعبر المؤسسات الأممية وخاصة وكالة الغوث الدولية، وادعموا حق سكان قطاع غزة في المشاركة الفاعلة في إدارة وتوزيع المساعدات.
4. تعزيز مبدأ الرقابة والمساءلة فيجب أن يحاسب كل من يعرقل وصول المساعدات أو يستغلها لأغراض غير إنسانية.
5. فضح كل ما يحاول ان يكون معولا يهدم به المجتمع الفلسطيني بالمشاركة في أي اليات تفتقر للإنسانية والمساعدة في تمرير مخطط احتكار المساعدات بنكهة اسرامريكية.
أخيرا: إن غزة تنزف، والعدالة تتعرض للطعن والاستهداف بدون أي حق، وهنا الصمت عليها يعني مشاركة في هذه المأساة، دعونا نرفع أصواتنا، ونعمل معاً لضمان أن تصل المساعدة إلى من يستحقها، وأن يتم ذلك بكرامة وعدالة، وأن يكون لأهل غزة الكلمة الفصل في مصير إغاثتهم.
• عضو الأمانة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين
